Rojava News: على وقع نجاحاتهم في احتلال مناطق واسعة من العراق وسوريا، قام جهاديو داعش (الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام) بتغيير اسم منظمتهم ليصبح الآن مجرد "الدولة الإسلامية"، وأعلنوا قيام "خلافة" تهدف إلى توسيع أراضيها لجزء كبير من الشرق الأوسط.
وأمام قلة استعداد الغربيين الواضحة لهذه الوضعية الجديدة، اكتشف القادة الغربيون حليفا يسعفهم: الكورد. فلاقت البشمركة الكوردية خاصة تلك الموجودة في كوردستان العراق، الترحيب والدعم بالأسلحة على أمل أن تكون حصنا منيعا ضد تقدم الجهاديين.
والملفت أنه على مدى السنوات الماضية تجاهل قادة ما يسمى بالدول الديمقراطية تطلعات الشعب الكوردي للاستقلال. فلمدة قرن من الزمن، تفرجوا دون أن يرف لهم جفن على القمع الذي تعرض له الكورد على أيدي دول المنطقة (تركيا,ايران,العراق,سوريا). وإذ بهم اليوم يقدمون للبشمركة السلاح وحتى الدعم العسكري جوا وعلى الأرض، دون أي مشكلة .
وإذ بألمانيا تعد بتسليم ثلاثين صواريخ مضادة للدبابات والآلاف من بنادق هجومية، مدعية أنها يذلك سوف تكسر مبدئها بعدم تصدير الاسلحة للمناطق التي تدور فيها النزاعات. كما وعدت إيطاليا بتوفير 200 مدفع رشاش وألفي قاذفة صواريخ من مخزون الأسلحة الروسية التي ضبطتها خلال الحرب في يوغوسلافيا في التسعينيات.أما فرنسا، فقد تحدث الرئيس هولاند عن شحن أسلحة "متطورة.
تاريخ من التطلعات المحبطة
فمنذ انهيار الامبراطورية العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى، لا يزال الشعب الكوردي المقدر عدده بين ب60 مليون نسمة مقسما بين أربعة دول، وذلك دون الحصول، بعد قرن من الزمن، لا على أمكانية تشكيل دولة مستقلة ولا أن تؤخذ أدنى تطلعاته بعين الاعتبار. فاضطر الكورد إلى مواجهة سلطات تركيا وإيران والعراق وسوريا التي لا يوجد شيء اسمه حق الشعوب بالنسبة لها وحيث قامت جميعها، حسب الفترات والحسابات السياسية، بتجاهل السكان الكورد وقمعهم وحتى بقتلهم. فظلت حالة الكورد مرتبطة بشكل وثيق بسياسة الأنظمة التي تحكمها والصراعات التي تدور بين هذه الانظمة وعلاقاتها مع القوى العظمى.
في تركيا، قام مصطفى كمال أتاتورك بقمع ثوراتهم في عشرينيات وثلاثنيات القرن الماضي بالدم. ومنذ عام 1984، واندلاع المعارك من قبل حزب العمال الكردستاني، سقط حوالي ال 45000 قتيل (شهيد) بين الكورد من مقاتلي هذا التنظيم إلى أن قررت حكومة أردوغان مؤخرا أقامة مفاوضات لا تزال بعيدة من الانتهاء.
وفي إيران, وعلى الرغم من الآمال التي ولدتها ثورة عام 1979 ضد الشاه، لم يحصل الكورد لا على الحكم الذاتي الذي يأملون ولا حتى مجرد الاعتراف بخصائصهم الوطنية. ولم يستغرق الأمر سوى بضعة أشهر ليقوم الخميني بفتوى "الجهاد ضد الكورد" وينهال عليهم بالقمع، لا يزال الكورد محرومين من حقوقهم ويتعرضون بشكل دوري للاعتقالات والاغتيالات السياسية. ولا تزال المناطق الكوردية في إيران، التي تشكل خمسة محافظات شمالية غربية، من بين الأكثر فقرا في البلاد وتصل البطالة فيها إلى ال50٪.
كوردستان العراق: إن تاريخ السكان الكورد في العراق مليء أيضا بالنضال من أجل استقلال رفضته السلطات الاستعمارية ومن بعدها الأنظمة المتعاقبة في بغداد. وكانت محاولاتهم للحصول على الاستقلال . ومرة أخرى في عام 1988، في نهاية الحرب بين العراق وإيران، تعرضت المناطق الكوردية لقمع عنيف حيث قتل خمسة آلاف من سكان بلدة حلبجة جراء القصف بالغازات السامّة التي قام به جيش صدام حسين.
منذ عام 1991، حصلت المناطق الكوردية في العراق على استقلالية عملية التي قامت بها الولايات المتحدة. لكنه في ربيع 1991، عند نهاية الحرب التي شنتها الولايات المتحدة ضد العراق بعد احتلال الكويت من قبل جيش صدام حسين، انخدع سكان المناطق الكوردية بدعوة القادة الأمريكيين إلى الثورة والوعود بتقديم الحماية لهم. إذ أن الولايات المتحدة فضلت بالنهاية أن تترك للجيش العراقي ما يكفي من القوة لسحق الثورة الكوردية الذي تطور في المنطقة الكوردية ضد نظام صدام حسين، تماما كما قام بسحق انتفاضة الشيعة التي هبت في جنوب البلاد. فالقادة الأمريكيون فضلوا بطبيعة الحال الابقاء على ديكتاتورية صدام حسين المهزومة عسكريا على القوى الثورية التي يمكن أن تتكون جراء حركات عسكرية ضد هذا النظام.
ومع ذلك، فبعد أن قاموا بالتفرج بوقاحة على قمع التمرد الكوردي الذي أدى إلى نزوح جماعي للسكان نحو الحدود التركية، انتهت الولايات المتحدة بالاقتناع بأهمية لعبها لدور الحامي لسكان الكوردستان العراقي. ففرض التحالف الغربي منطقة حظر جوي في كوردستان العراق ومنعوا توغل جيش صدام حسين وراء خط العرض 36. هذا التدبير سمح بعودة السكان كما سمح بإنشاء سلطة سياسية يتقاسمها الحزبين الكورديين : الحزب الديمقراطي الكردستاني لمسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني لجلال طالباني. هذه السلطة المدعومة من قبل الولايات المتحدة.
هذه هي إذن ظروف نشوء سلطة الحكم الذاتي في المنطقة الكوردية من العراق. وفي عام 2003، جاء جورج بوش الابن بحرب جديدة لتحرير العراق ليقوم هذه المرة بالإطاحة بصدام حسين وإقامة سلطة جديدة في بغداد تحت الوصاية الأمريكية. واعترف الدستور الجديد رسميا باستقلال الكردستان العراقي. وهكذا تابع هذا الاقليم ازدهاره بعيدا عن الاشتباكات بين الميليشيات الشيعية السنية التي عرفتها بقية المناطق العراق، وذلك تحت السيطرة الحازمة للبيشمركة من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبفضل توفر مواردٍ نفطية مهمة في منطقة كركوك وتطوير التجارة مع تركيا المجاورة.
فتم فتح سبعة عشر جامعة خلال عشر سنوات وكذلك العديد من المستشفيات والمطارات والطرق السريعة... كل هذا يعكس التنمية الاقتصادية، وتمكن الحزبين الحاكمين بذلك من تمكين قاعدتهم الاجتماعية. وبعد تاريخ طويل من التنافس ، اتفق هذان الحزبان على تقاسم السلطة والإيرادات. فأمام تزايد ضعف سلطة بغداد اقامت الحكومة الكوردية باتفاقيات مع شركات النفط الغربية دون استشارة الحكومة المركزية وخصصت لنفسها الارباح الناتجة عنها.
الكورد في سوريا ونظام بشار الأسد
وفي الآونة الأخيرة كانت سوريا محط قيام منطقة حكم ذاتي كوردية، نتيجة حرب أهلية هذه المرة.
الكورد في سوريا محرومون رسميا من حقوقهم الثقافية، والعديد منهم من حق الجنسية. ولكن الحرب في عام 2011 شكل فرصة كبيرة للكورد.
في الواقع، كان تكتيك نظام الاسد تعزيز الانقسامات في صفوف المعارضة. فمن جهة سمح بتطور الجماعات الإسلامية الأصولية التي كان يعرف أنها سوف تؤول للتصادم مع ما يسمى بقوى المعارضة الديمقراطية. وفي المناطق الكوردية، تنازل النظام عن السلطة لحزب الاتحاد الديمقراطي القريب من حزب العمال الكردستاني في تركيا. كان الهدف من وراء ذلك تجنب فتح جبهة إضافية ضد الكورد وأيضا مضايقة نظام أردوغان في تركيا الذي كان يدعم تسلل مقاتلي المعارضة إلى الاراضي السورية. فنشوء مناطق كوردية مستقلة بحيث تشكل امتدادا لمناطق حزب العمال الكردستاني في تركيا .
وهكذا أنشأ حزب الاتحاد الديمقراطي في نهاية عام 2013 إدارة الحكم الذاتي في المنطقة الكوردية. وإن كان يمكننا التشكك بامكانية بقاء هذا الاستقلال طويلا في ظل الحرب الأهلية السائدة، إلا أنه وبلا شك يأتي مكملا للتغيرات التي حدث في السنوات العشرين الماضية في الكردستان العراقي، ويؤدي إلى خلق منطقة الحكم ذاتي كوردية ممتدة، دون انقطاع، من شمال سوريا إلى الحدود العراقية الإيرانية.
وأمام تقدم ميليشيا داعش في العراق وتقهقر الجيش العراقي خلال صيف عام 2014، بدت الدولة الكوردية كملاذ آمن للسكان المضطهدين، وبدت القوات العسكرية الكوردية الوحيدة القادرة على الحد من تقدم القوات الاسلامية.
وأمام مدد الدولة الاسلامية، كان الشاغل الرئيسي للدول الغربية والامريكية تفادي إرسال قوات برية على الارض لتوفير التكلفة المالية والبشرية لهكذا تدخل. هكذا لقي تواجد المقاتلين الكورد، المجبورين من ناحيتهم بمحاربة الميليشيات الاسلامية للدفاع عن أراضيهم، ترحيبا إيجابيا لدى الزعماء الغربيين، يمكن لهؤلاء لعب دور البديل للقوات الغربية.
ومن جانبهم، كان لقادة الكردستان العراقي الفرصة لإثبات قدرتهم أمام العالم على الدفاع عن السكان أمام التهديد الإسلامي. وهكذا فعل حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا بفتحه ممر على الحدود السورية العراقية ساعد في إجلاء السكان المسيحيين والأقليات الأخرى المهددة أمام تقدم قوات الدولة الإسلامية.
الدولة الكوردية
هل نحن، مع كل هذا، بصدد حصول الكورد على اعتراف حقيقي بهويتهم القومية، ليشكلوا دولة تزيل الحدود التي قسمتهم على مدى قرن من الزمن؟
فالمنطقة الآن مقسمة بين مناطق تسيطر عليها ميليشيات سنية أصولية تارة وشيعية تارة أخرى، تتلقى الدعم من دول مختلفة كالمملكة العربية السعودية وقطر ومصر وتركيا وإيران في صراع نفوذ دائم. يمتد هذا التشرذم الآن إلى العراق وسوريا ولبنان.
وهو في هذا السياق تصبح مسألة الدولة الكوردية مفيدة للغربيين، لأن الاخيرة ترغب منح الاعتراف الدولي لهذه المسألة.
فبعد ما يقارب القرن من الزمن على تقطيع أوصال المنطقة الكوردية وتقسيم كوردستان سنجد قيام دولة كوردية في الشرق الاوسط.