Print this page

أكراد سوريا .. التاريخ والسياسة والمجتمع

 

11:31:46 AM

Rojava N ews :ورد في موقع مدارات كورد : هذا الكتاب ل جوردي تاجال وترجمه الدكتور مسلم طالاس ويعتبر الكتاب  مساهمة فاصلة في دراسة التاريخ الكردي في سوريا منذ فترة الانتداب الفرنسي (1920-1946) وحتى الوقت الحاضر.

   من خلال تجنب منهجية جوهرية بعينها يقدم Jordi Tejel تحليلاً عميقاً ومعقداً ومتناقضاً أحياناً للتركيب بين القبيلة والهويات المحلية والإقليمية والدولية من جهة وتكوين الاحساس بالأقلية الكردية في مواجهة توطد القومية العربية في سوريا من جهة أخرى. يحلل Tejel الأسباب الكامنة خلف “الاستثناء” السوري في سياق الشأن الكردي, مستخدماً مواد غير منشورة , وبشكل خاص ما يتعلق بمرحلة الانتداب (السجلات الفرنسية والصحف الكردية) ونظرية الحركة الاجتماعية. على الرغم من استبعاد الكرد من الشأن العام, بشكل خاص منذ عام 1963, فإن أكراد سوريا تجنبوا المواجهة المباشرة مع السلطة المركزية,  واختار أكثرية الكرد استراتيجية “النفاق” ,  التي رعت داخلياً أشكال من الهوية تتحدى الأيديولوجيا الرسمية. يستكشف هذا الكتاب الآليات التي قادت إلى ترسيخ الاحساس بالأقلية الكردية في سوريا المعاصرة, وهي عملية جارية ويمكن أن تأخذ شكلا من الراديكالية او حتى العنف.

 

         على الرغم من أن الكتاب يقدم منهجية مفاهيمية صارمة, فإن المادة الأثنية تجعل من المهم قراءته. وهو لن يجتذب فقط الباحثين ودراسي الشرق الأوسط, بل ايضاً سيجتذب المهتمين بالتاريخ والصراعات الاثنية والقومية ونظرية الحركة الاجتماعية……وغيرهم.

 

         جوردي تاجال (Jordi tejel) [المؤلف]: يحمل درجة دكتوراه فلسفة في التاريخ من جامعة فريبورغ – سويسرا  والسوسيولوجيا من (Ecole des Hautes Etudes en Sciences Sociales-EHESS)- باريس –فرنسا. وهو الآن زميل ما بعد الدكتوراه في (EHESS). يهتم في أبحاثه بالتركيز على القومية في الشرق الأوسط, مع اهتمام خاص بحركية الكرد في الفترة ما بين الحربين. وقد الف العديد من الكتب والمقالات (Le mouvement kurde de Turquie en exil.Continuités et discontinuities du nationalisme kurde sous le  mandat français en Syrie et au Liban (1925–1946)).

 

Syria’s Kurds

 

History, politics and society

 

Jordi Tejel

 

 

 

مقدمة

 

قلما تعرضت وسائل الاعلام للكرد السوريين. ويسري الأمر نفسه على البحوث الأكاديمية التي تناولت سوريا, وحتى البحوث التي تناولت المسألة الكردية. معظم البحوث ركزت على المناطق الكردية في تركيا والعراق و, بدرجة أقل,  في إيران [1]. وهذا الأمر لا يخص فترة زمنية بعينها. وكذلك كان العامل الكردي هامشياً في الأعمال الكلاسيكية التي تناولت الانتداب الفرنسي (Longrigg 1958;Khoury 1987) وفترة الاستقلال في المشرق (Raymond 1980). والاستثناء الوحيد لذلك هو أعمال عصمت شريف وانلي, والتي تتميز عموما بالانحياز للكرد ((Vanly 1968, 1978, 1992)).

 

       فقط منذ التسعينات [من القرن العشرين], ونتيجة لزيادة أهمية مسائل حقوق الانسان في كل البلدان, ظهرت دراسات كاملة ومفصلة تتناول الكرد السوريين (Human Rights Watch 1991, 1996; McDowall 1998). توفر هذه الدراسات بعض المراجع التاريخية الضرورية, لكنها تؤكد على الوضعة الكردية كـ”أقلية” فيما يتعلق بالإطار القانوني السوري. شجعت الاضطرابات في القامشلي في مارس 2004 بدرجة كبيرة إصدار سلسلة من الأعمال(Montgomery 2005; Yildiz 2005)  والمقالات(Gambill 2004: 1–4; Gauthier 2005: 97–114, 2006: 217–31; Lowe 2006: 1–7; Tejel 2006: 117–33, 2007b: 269– 76) حول المسألة الكردية في سوريا. وعلى الرغم من ارتفاع الاهتمام بالمسألة الكردية في سوريا, تبقى هناك ندرة في الدراسات ذات المنظور الأنتربولوجي والتاريخي والسياسي إلى هذا الموضوع.

 

        هناك العديد من العوامل التي تتحمل مسؤولية هذه الفجوات في المعلومات. أولاً, وبشكل متناقض, اعتبر الكرد السوريين إما جماعة أمكن استيعابها من قبل بيئة الأكثرية العربية[2] أو اعتبروا سكان ملحقين لعبوا دوراً هامشيا في سوريا المعاصرة, على عكس أقليات اخرى (Hourani 1947) مثل الدروز والعلوية. واعتبر ضعف الحركة السياسية دليلاً على أن “بحث الكرد عن الهوية” مجرد ملجأ للنخبة (الوجهاء وملاك الأرض) نتيجة خسارتهم للسلطة في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية في البلد.

 

       في سياق آخر فإن حقل الدراسات الكردية, الذي لا يزال ضيقاً, أصبح حقيقة منذ الثمانينات والتسعينات [من القرن العشرين] [3]. من منظور أعرض, فإن تركيز المؤرخين وعلماء السياسة على الدور الديكتاتوري للدولة والعائلة الحاكمة, والقومية العربية والصراع العربي الاسرائيلي, وموقع سوريا في سياق الحرب الباردة (Van Dam 1979, 1996; Kienle 1990; Perthes 1995; Ehteshami and Hinnebusch 1997) ألغى كل الديناميكيات الـعرضية التي تؤثر على مجالات المجتمع السوري رغم التصريحات الرسمية فيما يتعلق بعروبة واشتراكية سوريا. تتضمن هذه الديناميكيات أنماط الاستهلاك والاثنية والتصوف والاستيطان العشوائي في المدن الكبرى والفروقات المتنامية بين الاجيال. يسعى هذا الكتاب للمساهمة في الاندفاعة الجديدة للدراسات المعاصرة حول سوريا التي بدأها جيل جديدة من الباحثين الذي توجهوا في دراساتهم باتجاهات جديدة, مظهرين الاهتمام بـ”الهوامش” مع اعطاء الأولوية للأبعاد الانتروبولوجية والسوسيولوجية (Chiffoleau 2006; Dupret et al. 2007), بدون إهمال الأبعاد التاريخية .

 

         في الحقيقة أصبحت إمكانيات إجراء البحث الميداني في سوريا أكبر مع نهاية تسعينات القرن العشرين, مما أتاح المجال لبحوث انتربولوجية قيمة حول المشايخ الكرد في دمشق وحلب وكرداغ (Bottcher 1998; Christmann 1998;Pinto 2004). لكن تبقى هناك صعوبات بالغة في مواجهة إجراء بحث ميداني يركز على الهوية الكردية[4], لأن الكردية مازالت تعتبر علامة الفتنة (تقسيم المجتمع) من قبل النظام , على الرغم من التغيرات الكبيرة التي حدثت. وأخيراً فإن دراستنا استفادت من انتعاش الدراسات حول مرحلة الانتداب في نهاية التسعينات (Gelvin 1998; Méouchy 2002; Mizrahi 2003; Méouchy and Sluglett 2004; Provence 2005).

 

       وبدلا من تلخيص كل الفصول التي تشكل الكتاب, فإننا سنركز الضوء على بعض القضايا التي نعتقد أنها هامة من المنظور النظري والتجريبي. وأول هذه القضايا تتعلق بضرورة إعادة تقييم دورة فترة الانتداب (1918-1946) في انبثاق حركيات سياسية واجتماعية في المجتمعات الكردية بدءاً من تأسيس سوريا المعاصرة إلى الوقت الحاضر والتي تنتمي للـ longue durée.. كذلك نرغب في التأكيد على أهمية فترة الانتداب في التأسيس لثقافة سياسية محددة لممثلي الكرد المدنيين والدينيين, والتي عرفت بالمواجهة السلمية والتكيف مع مشهد سياسي غامض. وأخيراً سنتناول باختصار موضوع “الهوامش” في المجموعات الكردية وضرورة تأسيس “الجسور” بين الكرد وغيرهم من سكان سوريا وصياغة مراجعة مفصلة لتاريخ الكرد الذي ينطوي أحياناً على تمايزات آنية عن باقي سكان سوريا.

 

الكرد في ظل الانتداب الفرنسي بين الاستمرار والتغير:

 

يثبت تحليل ارشيف الانتداب, والمنشورات الكردية خلال الثلاثينات والأربعينات, والدراسات الميدانية التي تمت حول سوريا, أن الفترة الانتدابية يجب أن تعتبر مرحلة استمرار فيما بتعلق بالمرحلة العثمانية ووقت للتغير لسكان المشرق, بما فيهم الكرد. يجب أن  تعتبر هذه الفترة مرحلة استمرار باعتبار أن ميراث التنظيم الاثنو-ديني للإمبراطورية العثمانية[5] لم يستأصل واستمر في صبغ مفاهيم السياسة والمجتمع بعد فترة طويلة من سقوط استانبول كمركز سياسي للمنطقة (Karpat 1988: 35–53).

 

         المجموعة التي عرفت وميزت تحت الاسم العام “كرد” بعيدة عن التجانس. حيث تتضمن العديد من اللهجات والطوائف الدينية (سنة وشيعة وعلويين ويزيديين) والعديد من الهويات الاجتماعية والجغرافية (العشائرية وغير العشائرية). وعلى الرغم من ذلك يثبت الانتربولوجي (Martin van Bruinessen) ان الكرد كانوا مدركين لهويتهم المتميزة منذ عدة قرون, على الرغم من الانقسامات الداخلية. لكن “الحدود” التي تحدد الكرد تغيرت خلال الزمن. قبل الحرب العالمية الأولى كان التعارض بين الإسلام والمسيحية والقبلية واللاقبلية هي المحددات الرئيسية لتقسيم سكان الامبراطورية العثمانية (Bruinessen 1994: 21–6).

 

       لم تكن الاثنية هي المسالة المهيمنة على السكان الكرد قبل نشأة الدول الجديدة في الشرق الأوسط. وكان الانتماء لمجموعة أثنية[6] هو فقط أحد مكونات هويتهم. وتقلبت أهميتها في سياق إعادة اكتشاف هويتهم, وعدلت وفقاً لرغباتهم في علاقات مع عوامل متعددة.   المهم هو الشبكات الشخصية للانتماء التي بنيت من قبل الافراد, والشبكة الاثنية هي واحد من بين العديد. ويمكن أن يكون للشخص أو الجماعة أكثر من خاصية معرفة, مثل الطائفة و الاثنية والتحضر. لذلك فإن تصنيفات مثل “الاثنية” و”المجتمع” وجدت وشرعت واستمرت في سياق معادلة سياسية معقدة. لم توجد كتصنيفات مسبقة (Geertz 1973) بل كجماعات في ديناميكية علائقية (Barth 1969). في ظل ظروف تاريخية محددة, يمكن أن توضع الهويات الاثنية أو القومية أو حتى العابرة للقومية في الواجهة وتحدد الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, لكن طول العمر هو الذي يحدد أي الهويات هي البارزة في جماعة محددة (Gershoni and Jankowski 1997: xx).

 

        وسبب قدرة الاثنية على العمل كاداة سياسية هي أنه يمكن تصورها كمصدر طبيعي للتماسك (Berman and Lonsdale 1992: 317). إن اجتماع الافراد أو الجماعات حول هوية اثنية يمكن أن يحدث في سياق الحديث عن الهوية (Vali 2003) أو مذهب(Kedourie 1986) أو إيديولوجيا(Breuilly 1993) أو حتى قفزة خيال (Anderson 1983). إن القومية, بهيئتها الغامضة, قادرة على أن تجمع سوية تجمعات متنوعة يمكن أن تعرف ضمن ” جماعة اثنية”. من أجل تجاوز التقسيمات الموجودة في المجتمع, فإن على القومية أن تضم في سياقها مختلف الحساسيات (المحافظة والتقدمية والداعمة للغرب…..الخ) وتشجع الفعاليات القومية التي تمس كامل السكان الكرد وتدمج كل جوانب (الاجتماعية والدينية واللغوية والعشائرية والمحلية ) الجماعات المكونة.

 

          إن دور ” المقاولين السياسيين” في ترسيخ العلاقات مع الجماعات الأخرى حاسم (Smith 1981: 108). وهي النخب التي تقدم نفسها كناطق باسم “المجتمع المتصور” (Anderson 1983) وتبني , بسبب قدراتها الفكرية والتنظيمية, المجموعة القومية. من أجل أن توجد القومية هناك حاجة للعوامل الموضوعية  (العرق واللغة والقرابة ….الخ) التي سيتوضع عليها الوعي بهذا التميز أو الاختلاف (الهوية). ومن ثم يمكن للمقاول السياسي أن يدخل هذه الهوية المتميزة للحقل السياسي الحديث كأداة واعية وعقلانية.

 

         لكن, ووفقا  للانتربولوجي Olivier Roy, فإن القومية الاثنية نادراً ما تنطوي على فعل سياسي. غالباً ما يخُلق الفعل السياسي خارج المنطق الاثني الصارم, حتى إذا كانت الاثنية هي محور تميز اللاعبين. ” الأثنية هي ما ينطق به لكن ليست هي المفسر” (Roy 2004: 65). وهناك منطوق آخر مغذي في الحركية الاجتماعية مثل العصبيات ما دون القومية أو ما فوق القومية, كالعلاقات الدينية  مثل العصبية الشيعية في إيران التي خلقت نوع من الولاء لدولة إيران بالرغم من الاختلافات القومية .

 

       يضاف لذلك, كما اكد رشيد حمو, أحد مؤسسي الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا عام 1957, فإن مفهوم المجتمع الكردي, المعرف كمجموعة متميزة بميزة واحدة, لغوية أو طائفية, والذي اعتبرته المجموعة هو الحد المحدد والعريض للتميز عن الآخرين خلال فترة النزاع, لم يكن حقيقياً في بداية عشرينات القرن العشرين[7]. من جهة أخرى, فإن العلاقات الأبوية والروابط المحلية والدينية والقبلية حددت الممارسات الاجتماعية وحركية السكان الكرد في شمال سوريا. فقط مع وصول المثقفين القوميين الكرد, الذين كانوا مقيمين سابقاً في استانبول, اتخذت فكرة “المجموعة القومية الكردية” صورة حقيقية في صفوف أقلية صغيرة من السكان الكرد في سوريا. منذ ذلك الوقت تم تحدي تصور الكرد كمجتمع معزز بالتماسك بين عوامله المختلفة على الأقل خلال فترة الانتداب الفرنسي.

 

       كذلك كرست فترة الانتداب العلاقة الثلاثية بين القوى الأوربية والدول المحلية والأقليات التي كانت موجودة  منذ القرن التاسع عشر[8] والتي استمرت حتى الوقت الحالي ( Khoury and Méouchy 2007: 20–1). في النتيجة فإن تأسيس نظام الانتداب في الفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى سمح لفرنسا وبريطانيا العظمى بالبقاء في الشرق الأوسط. وبينما ركزت فرنسا على تأسيس الانتداب في سوريا ولبنان, انشغلت بريطانيا بإدارة الدولة العراقية الجديدة.

 

         دفعت مشروعات التطوير الاقتصادي الاجتماعي للجزيرة والخلاف الفرنسي التركي حول رسم الحدود السورية التركية  لأن تستخدم فرنسا الورقة الكردية(Tatchjian 2004; Tejel 2007a). في النتيجة فإن الآلاف من المهاجرين الكرد, بما فيهم قادة الحركات الكردية في تركيا, انتقلوا إلى سوريا. وعلى الرغم من أن فرنسا لم تقدم سياسة واضحة ومتناسقة تجاه الكرد, فإن المثقفين “المقاولين السياسيين” الكرد وزعماء العشائر تمكنوا, بدرجة محددة, من تطوير استراتيجيات لمجتمعهم من أجل التكوين والعمل, بما فيها تنظيم الثورة المسلحة ضد النظام الكمالي, حول جبل أرارات شمالي شرقي تركيا 1927-1931 (Nouri Pacha 1986).

 

        كان ثمن هذا التحالف بين النخب الحديثة وزعماء القبائل هو اعتماد الحركة القومية على الروابط ما دون القومية  ومن ثم الاختلاط المتبادل بما سمح بتكوين هوية بين العصبية والمجموعة الاثنية (Roy 2004: 47).  كذلك فإن انغماس الحركة الكردية في ثورة آرارات اشار إلى أن القوميين الكرد في سوريا النشطين في سوريا تحولت وجهتهم إلى مناطق كردية أخرى, وبشكل خاص في تركيا والعراق. ومنذ ذلك الحين ترسخت توجهات الكرد نحو هذين البلدين, وهو أمر تم ترسيخه بدرجة كبرى في عهد حافظ الأسد. وقد عزز ذلك الحقيقة غير القابلة للجدال في الصفة العابرة للحدود للمسألة الكردية (Bozarslan 1997: 291–347)  واعتبار الكرد السوريين بأن الحدود مساحة مشتركة, بمقاييس اللغة والروابط العشائرية والاثنية والعائلية, أكثر من كونها خط فاصل.

 

       في نفس الوقت أكد استغلال الكرد من قبل الفرنسيين على الديناميكيات الموجودة بتعزيز التقسيمات الموجودة بين الجماعات الكردية المجزأة أصلاً. لذلك فإن الفرنسيين حثوا القوميين الكرد (وبدعم زعماء العشائر) على تركيز أنشطتهم السياسية على الجزيرة (Terrier Plan). وعوملت كل منطقة كردية كمنطقة منفصلة, بدون روابط سياسية بينهما. يضاف إلى ذلك ان الحالة السيئة للطرق بين مختلف المناطق الكردية في شمال سورية جعلت من الصعب جدا بناء العلاقات أو توحيد الحيز الكردي (Deutsch 1962).