Print this page

طارق كاريزي: أنياب الاسد الكيمياوية.. العالم بحاجة الى راديكالية ردع ودفاع

مشهد الضحايا والمصابون في ضربة (خان شيخون) الكيمياوية ذكّرتنا بحلبجة الجريحة يوم هاجمها نظام البعث بتأريخ 16/3/1988 بالسلاح الكيمياوي. بقية تفاصيل هذا الحدث ليست بخافية عن القارئ. نظام البعث في العراق كما في سوريا، لم يتردد في استخدام كل الوسائل مهما كانت غير مشروعة لضرب المناوئين والمعارضين له.

 

نظام بشار الاسد كقرينه نظام صدام، يعبر عن الفلسفة التسلطية لحزب البعث وعنجهيته وطغيانه الاعمى حتى ضد الشعارات البرّاقة التي يرفعها. اصرار الاسد على التمسك بالسلطة مشابه لاصرار صدام بتمسكه بالسلطة حتى لو كان ثمنه تدمير وطن وابادة شعب. سوريا البلد تدفع ضريبة استمرار واصرار الاسد على التمسك بزمام السلطة والضحية الكبرى هو الشعب السوري الذي تحول الى شعب الشتاة والمنافي.

 

داخليا عجزت القوى المختلفة عن حل المعضلة السورية، وتدخل الجوار الاقليمي عقد المشهد أكثر، فيما التدخل العربي الخجول زاد من حدة الانشطار الاجتماعي والتشظي الثقافي في المجتمع السوري. وتخندقت القوى العظمى في متاريس مصالحها واجنداتها الدولية ومارست لعبة جرّ حبل دولية أودت حتى الآن بحياة مئات الآلاف من السوريين بمسمّيات عدة وفي خنادق متبادلة ومتقابلة لحرب عبثية.

 

صدام وابن عمه (علي حسن المجيد) لم يترددا في ضرب الكرد المعارضين لهم بالسلاح الكيمياوي، بشار الاسد وحاشيته أيضا لم يترددوا حيال ضرب المعارضين لنظام البعث ببراميل المتفجرات والسلاح الكيمياوي. خان شيخون ليست المنطقة الوحيدة التي تلقت الضربات الكيمياوية من قبل الاسد، بل ان بشار الاسد سبق وأن كشّر عن انيابه الكيمياوية في أكثر من مكان، وتاتي الغوطة في المقدمة.

 

الانياب التي تنضح سموم الكيمياوي وتستهدف البيئة البشرية والمواطنين السوريين، يجب اقلاعها من جذورها. التصدي لوحشية الاسد التزام اخلاقي لابد من تنفيذه. الوقوف في الحياد يعني تأييد مبطن لنظام الاسد وجرائمه الشنيعة بحق سوريا وشعبها.

 

طيب، من يمتلك العصى السحرية التي تنهي هذا الصراع المرير والحرب القذرة التي يديمها النظام ضد شعبه؟ صحيح ان المشهد السوري بات معقدا وتداخلت فيه الخنادق، لكن خنادق القتال الاميبية المتقابلة على طول الجغرافية السورية وعرضها، ليست خارج الارادة الدولية وفوق مستوى الردع الدولي. ومن جهتهم اثبت العرب بأنهم اقل قدرة على حل مشاكلهم البينية والمعضلات السياسية داخل بلدانهم المختلفة. والمؤتمر الاخير لجامعة الدول العربية كان استعراضا سياسيا وملتقى خطابيا أكثر من كونه مؤتمرا للتداول والتشاور والتوصل الى قرارات فاعلة. الاردن التي احتضنت المؤتمر، يوجد فيها أحد أكبر مخيمات اللاجئين السوريين، لم يكلف اي وفد عربي نفسه عناء زيارة السوريين في الزعتري، وفنادق عمان التي أمضت الوفود العربية لياليها فيها، كانت في منتهى الهدوء والراحة بحيث لم يصل صوت فرقعات الرصاص والتفجيرات ودوي حمم الهجمات الجوية التي تتساقط فوق رؤوس السوريين وتحصد أرواحهم الى مسامع الوفود رغم الجوار الجغرافي لسوريا مع مكان انعقاد المؤتمر. اذن، علينا نسيان شيء اسمه الحل العربي، ومبروك للمصرّين على تسمية (الجمهورية العربية السورية) واستحاقاتها الباهرة.

 

معذرة، انا لست مطلقا بصدد التهكم بامة عظيمة تتوزع شعوبها على أكثر من عشرين بلدا، لكن الجرح السوري ينزف منذ اكثر من ستة أعوام ومازال البعض يتطلعون للعلاج والدواء العربيين، ومن دون جدوى.

 

دوليا، بقي الموقف رهن الموازنات الاجنداتية والتوازنات المصلحية للاطراف الدولية الساندة للقوى المتصارعة في الميدان السوري. فيتو مجلس الامن الخماسي شكل عقبة كأداء من خلال نقض كافة مشاريع الحلول التي تم طرحها خلال السنوات الست الماضية، والفيتو الروسي ومن بعده الصيني كان لهما دور سلبي بالنسبة للشعب السوري ومستقبله، كونهما كانادوما بمثابة حبل النجاة للنظام الدموي الذي مازال يتحكم برقاب السوريين.

 

الضربات الامريكية بصواريخ (توماهوك) التي استهدفت احدى المطارات السورية كرد سريع على استخدام نظام الاسد السلاح الكيمياوي ضد سكان (خان شيخون) لقيت ارتياحا واسعا على المستوى الوطني السوري والاقليمي (عدا ايران) والدولي (عدا روسيا). لابد من تقديم بطاقة شكر للرئيس (ترامب) على مبادرته الجريئة، ومن المهم تشديد قبضة بلده (ومعه المجتمع الدولي) لردع نظام الاسد ووضع حد لحمام الدم السوري والمعاناة الانسانية القاسية لهذا الشعب الكريم.

 

من اجل صيانة السلم العالمي والسلام المحلي والاقليمي في الشرق الاوسط وفي أي منطقة اخرى ربما تشهد صراعات مسلحة، انني ارى العالم بحاجة الى راديكالية ردع ودفاع. الراديكالية مرفوضة في كل مكان وزمان، لكن الراديكالية والايغال والتمادي في ضرب شعب اعزل وتدمير بلد بكامله، أمر يستوجب الردع والدفاع. ردع المعتدي الذي لا يذعن للمنطق والمشيئة العامة، ومن ثم الدفاع عن الشعوب التي تتحول الى قرابين بسبب السياسات الخاطئة لحكامها والايغال في استخدام العنف والقسوة ضدها.

 

الاسد كشّر بوقاحة عن انيابه الكيمياوية ومارس القتل بشكل واسع، يفترض ان يبادر المجتمع الدولي لردعه ووضع نهاية لمسلسل القتل والدمار الذي يمارسه نظامه، من اجل الدفاع عن شعب يتجاوز تعداده الـ(25) مليون نسمة.