12:43:39 AM
تتجه أنظار العالم أجمع نحو إقليم كردستان العراق بحلول خريف 2017، حيث الموعد النهائي لتنفيذ رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني لوعده بإجراء استفتاء شعبي على "استقلال كردستان" عن العراق.
وهو استفتاءٌ تأجل عدة مرات بسبب انخراط الإقليم في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ولانشغاله أيضا بمشاكله الداخلية وصراعات أحزابه السياسية، ورغبتها في تحجيم دور وقوة الحزب الديمقراطي الكوردستاني برئاسة البارزاني.
وإذا كان عموم الكورد في شتى أنحاء العالم يتحينون هذه الفرصة التاريخية، فإن بغداد وعواصم إقليمية أخرى تسعى جاهدة لعرقلة هذا المشروع الذي يثير لديها مخاوف عديدة.
منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق باتت العلاقات الكوردية/العربية والعربية/العربية في العراق تشهد تجاذبات سياسية واصطفافات قومية ومذهبية وعرقية، حتى أضحى العراق في ساحة صراع ثلاثي الأبعاد، من حيث التنوع الثقافي والاجتماعي والسياسي بين السنة والشيعة والكورد.
إن نتائج الصراعات القومية والطائفية في العراق -التي كانت مختبئة وراء خطاب المواطنة- نتج عنها اليوم تقاسم السلطة على أساس الهويات الرئيسية بالعراق بين الكورد والسنة والشيعة. ومع أن هذا التقسيم كان قومياً ومذهبياً إلا أنه كان مستتراً بمرادفات الوطنية والخطاب العراقي الوطني.
وفي الوقت الذي كان فيه التفكير السياسي العراقي -عَقِب سقوط نظام البعث في العراق- أحوج إلى تجديد مفاهيمه للانتقال إلى مرحلة بناء جمهورية العراق المثالية، والتركيز على دور العامل الداخلي وتقويته، والخروج بمشتركات وتطبيقات تلم الجميع تحت نظام اتحادي فدرالي؛ لا يزال الكورد يشعرون بـما يعتبرونه غبنا تاريخيا ممارَسا عليهم.
البارزاني يُجدد الاستفتاء القديم
قرر البارزاني إخراج الإقليم من دوامات النزاعات العرقية والدعوة إلى صيغة جديدة من التعامل قائمة على خيارين: العيش وفق نظام كونفدرالي أو العيش كجيران.
ولذلك أصدر رسالة بمناسبة الذكرى المئوية لاتفاقية سايكس بيكو، واصفاً إياها بالمقسّمة للشعوب والمنطقة دون استشارة من أي أحد، وبأنها ظلمت الشعوب وخاصة الكورد، وأن حقبة تلك الاتفاقية انتهت وأصبح ضروريا عقد اتفاقية جديدة بخصوص الشرق الأوسط.
وأكد البارزاني -منذ نحو سنتين في حديث له مع الغارديان البريطانية- أن على المجتمع الدولي تقبُّل أن سوريا والعراق لن يعود أي منهما دولة موحدة من جديد، وأضاف "سواء قَبِل قادة العالم أو لم يقبلوا؛ فإن حلم الأكراد بتشكيل كردستان المستقلة سيصبح حقيقة في السنوات العشر القادمة".
لكن توقيت الإعلان عن الاستفتاء يُثير جملة من الأسئلة تتعلق بمدى استغلال الإقليم لمآسي العراقيين من عدمه، أو بمدى صحة قراءة الإقليم لتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة دونالد ترمب.
على المستوى الكوردي الداخلي؛ أدت إعادة صياغة الاتفاق الإستراتيجي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني إلى ترتيب البيت الكوردي وتفعيل قرار الاستفتاء. ومما يدعم نجاح هذا القرار أن البارزاني يسعى إلى قبض ثمن الدماء التي قدمتها البشمركة في تصديها لتنظيم الدولة، عبر الحصول على ضمانات دولية بإجراء الاستفتاء على مصير كردستان العراق.
إن موضوع الاستفتاء في كردستان ليس بالأمر الجديد، فقد سبق أن توجّه أكراد العراق إلى صناديق الاقتراع للاختيار بين إعلان الاستقلال والبقاء ضمن العراق، في إطار استفتاء غير رسمي جرى في يناير/كانون الثاني 2005.
آنذاك لم يسفر التصويت عن أي خطوات انفصالية فعلية لكنه أيد حق تقرير المصير، كما منح المفاوضين الكورد سندا قويا في بغداد استخدموه لتأمين حقوق وصلاحيات أصبحت محفوظة الآن في الدستور العراقي.
يعيش الإقليم حالة عدم استقرار داخلي بسبب حربه ضد تنظيم الدولة، والخلافات الحزبية، ونتائج التغييرات التي أصابت بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كنتيجة طبيعية لمُخرجات الربيع العربي. وقد دفعت تلك العوامل مسؤولي الإقليم لتصعيد التصريحات المؤكِّدة لإجراء الاستفتاء.
وفي هذا الإطار جاءت دعوة رئيس جهاز وكالة أمن إقليم كردستان مسرور البارزاني -في تصريح لصحيفة واشنطن بوست- إلى إنهاء العلاقة بين المركز (بغداد) والإقليم، لأن "الثقة بالحكومة العراقية معدومة ومستحيلة". وتعد هذه الدعوةُ الأخطرَ والأهم في تاريخ العلاقات الكوردية/العربية؛ فلأول مرة يصدر مثلها من مسؤول كبير بهذا المستوى.
هل سيؤدي الاستفتاء للانفصال؟
يحتاج الاستقلال إلى تراكم سياسي دبلوماسي وضمان اعتراف الدول العظمى به، وفتح ممر تجاري عبر منفذ بحري خاص، أو مع دول لن تكنّ العداء للدولة الفتية الوليدة. فهل يمكن القول إن دولة كردستان ستبصر النور في الشرق الأوسط على المدى القريب؟ وما مستقبلها إذا قامت؟
لا شك في أن البيئة الداخلية -على الصعيد الجماهيري والشعبي في كردستان- أضحت مساعدة كثيراً في إجراء الاستفتاء بشأن "استقلال الإقليم"، خاصة مع سيطرة قوات البشمركة على حدوده، وضم المناطق المتنازع عليها إليه بعد طرد تنظيم الدولة منها، كسهل نينوى وسنجار وكركوك.
لكن الوضوح التام فيما يخص المناطق المشمولة بالاستفتاء سيكون بعد تحرير الموصل بالكامل، لأنها هي نقطة الفصل في رسم التوازنات الجيوسياسية والاجتماعية بالعراق، إضافة إلى أن محافظة كركوك تعاني من خاصرة رخوة تعجّ بعناصر تنظيم الدولة، ألا وهي قضاء الحويجة الذي يعتبر بمثابة موصل مصغرة.
وستكون للقوات التي تحرر القضاء الكلمة العليا في تحديد مصير كركوك بالانضمام إلى الإقليم من عدمه، علماً بأن مجلس محافظتها صوّت لصالح قرار إجراء الاستفتاء على ضم المحافظة إلى إقليم كردستان، مع مقاطعة قسم من أعضائه العرب والتركمان.
ربما يحمل الإقليم ورقة نتائج الاستفتاء للمضي نحو ممارسة ضغوط كبيرة على بغداد، خاصة إنْ كان الاستفتاء سيجري بمراقبة وإشراف دوليين كبيرين. علماً بأن ورقة الاستفتاء ستقتصر على تختيير الناخب بين كلمتيْ "نعم" أو "لا".
وإذا نجح الاستفتاء في الحصول على النسبة المطلوبة فستتاح للإقليم إعادة تشكيل موازين قوى جديدة، ولن تجدي معها أي محاولات لا ترهيبية ولا ترغيبية للعدول عن تنفيذ رغبة الشعب الكوردي الذي يأمل الاحتفال بيوم "إعلان الاستقلال"، وبالتالي لن تجد بغداد أي مخرج من التفاوض وفق الشروط الكوردية.
ومن المحتمل أن تحمل نتائج الاستفتاء نوعا جديدا من العلاقة بين المركز والإقليم، أساسه التواصل والحوار للوصول إلى صيغة جديدة من العلاقة بينهما، بدلاً من إعلان الكورد "الاستقلال" بشكل منفرد.
وربما يكون الاستفتاء بداية علاقة قائمة على عدم تدخل أي من الطرفين في الشؤون الداخلية والخارجية للطرف الآخر، عبر تطبيق نظام حكم وشكل دولة جديد لكن دون أي انفصال تام. فالإقليم والمركز يعتمدان على البنية التحتية نفسها للاقتصاد، ومن الصعب الفصل المباشر بينهما بشكل سريع.
الصدام بين إقليم كردستان وبغداد مُستبعد في الوقت الراهن على أقل تقدير، وهو يتوقف أولاً على مدى جدية اعتراف المركز بنتائج الاستفتاء، ورضا الطرفين عن اللوحة السياسية الجديدة، خاصة أن المركز يعاني من ضعف شديد على المستوى العسكري، ويقابل ذلك تضخم قوة تسليح البشمركة وتزايد الدعم الدولي دبلوماسياً وعسكرياً لها.
وإذا ما وفاقت بغداد على أي نوع جديد من العلاقة بينها وبين الإقليم، فلن تجد لا تركيا ولا إيران إمكانية للتدخل المباشر بحجة حماية حدودها. خاصة أن الحرب أنهكت الكورد والسنة، وحتى طبقة النخبة السياسية والدينية الشيعية بالعراق، ولم يعد أحد منهم يرغب في خوض حرب جديدة.