Print this page

شيركوه حسن: ثورات التحرُّر وظاهرة الشّعارات الفاقدة للهوية والانتماء

  الثورة : هي قيام الشعب بالعمل على تغيير نظام حكم عاجز عن تلبية طموحاته بالقوة, والتعريف الشعبي الدارج للثورة هو الانتفاض ضد الحكم الظالم, وتكون الثورة شعبية مدنية أحياناً " الثورة الفرنسية 1789 " وثورات أوربا الشرقية 1989 أو عسكرية كما حدثت في أمريكا اللاتينية في الخمسينات والستينات من القرن العشرين أو بعض البلدان العربية " سوريا, مصر, ليبيا " والانقلابات العسكرية هو قيام العسكريين بالانقضاض على السلطة من خلال قلب نظام الحكم بغية الاستئثار والحصول على مكاسب وامتيازات شخصية أو فئوية من خلال كرسي الحكم وتكون الثورة أحيانا على شكل حركات مقاومة ضد المستعمر أو الغاصب لأراضي وحقوق شعب ما " الثورات الكردية " فما الذي يحدث؟ وهل الشعارات المرافقة مع أحداث التغيير في البلدان العربية ومحيطها تتوافق مع روحية ثوراتها؟.

" الله اكبر, الموت لأمريكا, الموت لإسرائيل, اللعنة على اليهود, النصر للإسلام " ," لا اله إلا الله محمد رسول الله", ....................... والخ ؟! , نماذج شعارات علنية في ظل حروب خفية أو حروب تدار بالإنابة من خلال الدولة العميقة أو القيادة الخفية, فحامل الشعار لا يتعدى كونه وقوداً لتأجيج ذات الصراع وتصفية حسابات وإعادة توازنات أو أنّه جزء صغير من معادلة تتجاوزه بكثير قد يُلقي به في متاهات لن يخرج منها حتى بريشه عند انتفاء مهامه هذا في أحسن حالاته, ولكن لمصلحة من, أسئلة تشغل بال من اكتوى بنارها أولا ؟.

" الله اكبر, الموت لأمريكا, الموت لإسرائيل, اللعنة على اليهود, النصر للإسلام " شعار يرفعه الحوثيون في اليمن في ظل الحرب التي يخوضونها ضد اليمنيين أولا ,فالحوثيه تعود تسميتها إلى مؤسسها "حسين بدر الدين الحوثي" والذي يعدُّ الأب الروحي للجماعة حيث أسسوا عام 1992 حركة الشباب المؤمن أو حركة أنصار الله و الحوثيون من أصول زيديه والزيدية أو الزيود تعود أصولها إلى فرقة إسلامية تبلورت في أوائل العصر العباسي وسميت نسبة إلى زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وهم أحد الفرق الإسلامية الشيعية لكنّهم يختلفون في مذهبهم وفكرهم في عدة نواحي عن الشيعة الجعفرية وهم أقرب الشيعة إلى أهل السنة حيث تقترب نسبتهم في اليمن من (30%) .

خاضت هذه الحركة ستة حروب ضد الحكومة اليمنية منذ تأسيس الجمهورية اليمنية حيث كانت تتهم الحكومة بإتباع سياسة تميزية ضد الزيدية فيما تتهمهم الحكومة بالعمل على إسقاط الحكومة وإقامة نظام قائم على الإمامة, لكنّها تبقى حركة دينية مذهبية ارتبطت عضوياً بإيران وولاية الفقيه وخاصة في العقد الأخير حيث انحرفت عن أهدافها الرئيسية وأضحت جزءاً من مشروع تتجاوز طموحات شعب تباهى بتمثيله لعقود, مثلها مثل حزب الله اللبناني وحركات شيعية مذهبية عراقية ومجموعات تقاتل في سوريا والعراق بمنطلقات مذهبية أوغيرها تتلقى الدعم والتعليمات وفق ولاءاتها الايدولوجية .

" لا اله إلا الله محمد رسول الله " شعار ترفعه منظمة القاعدة وملحقاتها والمجموعات المتشظية عنها مثل داعش وغيرها والقاعدة هي منظمة أصولية متشددة إسلامية سنية تأسست سنة 1988 من قبل "أسامة بن لادن" وعدد من قادة الجهاد الإسلامي المصري أمثال سيد إمام الشريف وأيمن الظواهري وعبد الله عزام وهي تدعو إلى الجهاد الدولي ضد التحالف الصليبي اليهودي بدءاً بمحاربة الشيوعيين في الحرب السوفيتية في أفغانستان وتوسّعت أنشطتها فيما بعد وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر والهجوم على برجي التجارة العالمي.

 نلاحظ أنّ الاصطفاف في بلدان التغيير العربي بات تحت هذه الشعارات والانقسام أصبح عمودياً وأفقياً في بنية ذات المجتمع على أساس مذهبي " سنة شيعة " وأضحى الصراع في أوجهِ بين فريقين كلّ طرف يسعى لإفناء الآخر مستخدماً كافة الوسائل المتوفرة لديه والقضاء على مجتمع هو بالأساس جزء منه بعد أن أحدث انحرافاً في مسارات الثورة .

  إنّ هذه الشعارات جميعها والتي ترفعها هذه الحركات والمجموعات وغيرها هي مجرد شعارات فضفاضة لا ترتبط مباشرة بالأرض والشعب واستحقاقاتها وبالتالي هي لا تلزم نفسها أمام الشعوب والمكونات في المناطق الخاضعة لسيطرتها بأية التزامات أخلاقية أو قانونية لها علاقة بحقوقها ومطالبها الخاصة وحتى العامة فهذه الحركات تدعي تمثيل شعوب واثنيات هي لا تسعى إلى تحقيق مصالحها الإستراتيجية أو حتى التكتيكية منها,لا بل تمارس القمع والتنكيل وترتكب أبشع الجرائم بحق تلك الجماعات الخاضعة لسيطرتها بغض النظر عن انتماءاتها القومية والدينية والمذهبية إلا من توافق مع أفكارها وعقيدتها وارتضى بحكمها كون هذه الجماعات تتعامل مع هذه الشعوب بنظرة دونية وأنّها مرتدة, تائهة, جاهلة ومتخلّفة في أفضل حالاتها فهي تسعى وفق مفاهيمها ومنطلقاتها الأيدلوجية لإعادتها إلى جادة الصواب وإلى الطريق القويم كونها هي وحدها تمتلك الحقيقة الكاملة والواهبة لسر الخلود وما عداها سراب  وفناء حيث تسعى إلى تدمير ثقافات وحضارات هذه الشعوب وتتعرض لرموزها التاريخية بغية تشويهها وبالتالي التشويش على الموروثات الثقافية الثابتة في المجتمع لتسهيل تدميرها وتدجينها وفق سياسة الاستبداد وإلغاء كلّ الظواهر المخالفة فالاستبداد لا دين له ولا مذهب ولا قومية لا بل لا هوية له, بواسطة عناصر تلتزم بالولاء المطلق لقياداتها غير مكترثة بالنتائج على الأرض من خلال عملية ممنهجة لغسل أدمغتهم وإعادة إنتاجهم وفق طبيعة وظائفهم باتباع سياسة العصا والجزرة وواهمينهم بخلود أبدي أو بحواري العين في الآخرة فالقيادات النافذة والصادرة للأوامر في هذه الحركات معظمها لا تنتمي إلى نفس البيئة الاجتماعية وإلى المنطقة التي تسيطر عليها وبالتالي لا يشعر ولا يتفاعل ومعاناة أهل المنطقة كون هذه القيادات رافده إلى المنطقة من مناطق أخرى أما بمهمات موكلة إليهم من مراكز إقرار أو شباب مغرر بهم بشعارات دينية ومذهبية وقومية وإيدولوجيه, شباب باحث عن مجد شخصي غير منطلق من دوافع نبيلة حاملة لهموم وقضايا إنسانية عادلة وفي النهاية أودُّ أن أوضح هنا بأنّ الحوثيون ليسوا سوى نموذج لحركات متشابهة تمارس التطرُّف بهذا الشكل أو ذاك موجودة وفاعلة على الأرض نتيجة تغييب أو تهميش قوى الاعتدال الملتزمة بقضايا شعوبها في هذه المرحلة من حياة شعوب المنطقة .