أقامت الاكاديمية الكوردية في أربيل أمسية للأكاديمي الكوردي المتخصص في الشؤون البولندية د.عدنان عودة عباس يوم (22/2/2016) بحضور نخبة من الكتاب والاكاديميين والصحفيين في أربيل. بداية من المفيد الاشارة الى ان فحوى المحاضرة كان جديدا تماما بالنسبة للوسط الثقافي، فالثقافة والتراث البولنديين مازالا في عتمة وغموض بالنسبة للمثقفين والوسط الثقافي الكوردستاني. والترجمة الى اللغة الكوردية تتركز على عدد محدود من ثقافات الشعوب الاوربية، كالفرنسية والبريطانية والروسية والالمانية ونوعا ما الايطالية والاسبانية والهولندية والجيكية.
وثقافات وآداب الشعوب الاوربية الاخرى التي لم تترجم نتاجاتها الى اللغة الكوردية، هي ثقافات راقية ولها رصيد كبير في التراث والارث الحضاري. ولعل البولندييون يأتون في المقدمة. هذا الانطباع الأولي يأتي بالذات بعد المحاضرة القيَمة التي قدمها الدكتور عدنان عودة.
للتوضيح نقول، الكوردولوجي يعني (علم الدراسات الكوردية). وخلال استعدادي لاعداد تغطية لـ(صوت الآخر)، تبين عجزي عن ملاحقة كم المعلومات التي طرحها المحاضر وتعذر ضبط الاسماء البولندية التي اشار اليها في سياق المحاضرة. ومن أجل تفادي الوقوع في الخطأ، كان لابد لي من الاتصال بالمحاضر، كي يعينني على ضبط المعلومات والأسماء التي سترد في هذه التغطية، وقد تجاوب الدكتور عدنان مشكورا بايجابية تامة وأمدني بسيل من المعلومات حول فحوى المحاضرة.
ولد المحاضر في بلدة الرفاعي (محافظة ذي قار)، غادر العراق عام 1979 ونال الماجستير والدكتوراه في بولندا. عاد عام 2009 الى كوردستان وهو حاليا استاذ في جامعة صلاح الدين ومنسب لمدة عام للأكاديمية الكوردية. عمل في عدد من معاهد الاستشراق البولندية لمدة ثلاثة عقود متواصلة، وصدر له حتى الآن 15 كتابا. وفيما يلي متابعة متواضعة لفحوى المحاضرة.
تأريخ بولندا حافل بالمآسي والاحتلالات والتقسيم من قبل روسيا وبروسيا والنمسا وألمانيا النازية. وهو في ذلك يشبه تأريخ كوردستان التي عانت وماتزال من التقسيم والاحتلال. ويمتاز الشعب البولندي بثقافته الواسعة، فقد جمع أحد القساوسة البولنديين قبل قرون 200 ألف مخطوطة، وصدر الدستور البولندي عام 1791م. وهذه خطوات حضارية مدنية تقدمت فيها بولندا قياسا بالبلدان الاخرى. واللغة البولندية هي أحدى اللغات الهندوأوربية من عائلة اللغات السلافية. وقد انتقل الاستشراق كحركة متعددة الأوجه والأهداف الى بولندا عن طريق ايطاليا واسبانيا وكذلك بالتماس مع الامبراطورية العثمانية. واللغة البولندية كانت الاساس في تحقيق النهضة البولندية. وأغلب التراث الشرقي تمت ترجمته من الفرنسية الى البولندية. اهتم البولنديون بالاستشراق اسوة ببقية الأمم الأوربية. وهناك العديد من المعاهد والأقسام الخاصة بالدراسات الشرقية. وكذلك العديد من المجلات والدوريات الخاصة بالشرق وشعوبه ولغاته وثقافاته.
الدراسات الكوردية في بولندا
كُتب عن الكورد وكوردستان والإيزديّين في القرنين السادس عشر والسابع عشر من خلال التحدث عن الدولة العثمانيّة في مطبوعات أوروبيّة مترجمة إلى البولنديّة، ولا سيّما عن الإيطاليّة والإنجليزيّة والفرنسيّة. وقد تزايد الاهتمام بالشؤون الكورديّة في القرن التاسع عشر من قبل الباحثين والرحّالة والموظّفين البولنديّين، ومنهم الطبيب البولندي في الحكومة العثمانيّة فوادسواف يابوونسكي JabłonowskiWładysłw الذي أرسل إلى العراق وكوردستان للتأكّد من الحالة الصحيّة بعد انتشار وباء الطاعون، وفي سنة 1867 بقي في مدينة كفري، وعاد إليها مرّة أخرى سنة 1884، وكتب في (مذكّراته) بشكل إيجابي عن الشعب الكوردي وتقاليده ومعتقداته. و أوغوست كوشجيشا زابا August Kościesza Żaba، قنصل الحكومة الروسيّة في أرضروم، الذي أصدر قاموسًا كورديًّا روسيًّا فرنسيًّا، وآخر فرنسيًّا روسيًّا كورديًّا. وقد ترجم د. نجاة عبدالله (نائب رئيس الاكاديمية الكوردية) قاموسه الكوردي الفرنسي. تعرّف على الكثير فيما يتعلّق بالكورد وقبائلهم ولغتهم وثقافتهم عن طريق العالم الكوردي الشهير ملا محمود بايزيدي. وقد ظهرت مجموعة زابا باللغة الفرنسيّة في سانت بطرسبورغ سنة 1860، فضلا عن مقدّمة بقلم المتخصّص بعلم اللسانيّات الألماني بيتر لرج Peter Lerch، كما ترجمت مجموعته إلى البولنديّة لاحقًا. وبرز كذلك كارول كوراب برزوزوفسكي Karol Korab Brzozowski أحد الباحثين في حياة الشعب الكوردي وجغرافيّة كوردستان، وقيل إنّه وضع أول خارطة لمحيط مدينة السليمانيّة.
وهناك ألكساندر بوريكو خوتشكو Aleksander Borejko Chodźko أحد البولنديّين المتخصّصين في الآداب السلافيّة، وأحد الدارسين الأوائل للغة الكوردية وقواعدها في منطقة قجر (Qajar). وكان يعرف اللغة الفارسيّة عن طريق ميرزا جعفر. التحق بالدائرة القنصليّة الروسيّة في طهران وكيلان، ثم استقرّ لاحقًا في باريس. قدّم عددًا من المحاضرات المتعلّقة باللغات السلافيّة، والشرقيّة ومنها الكورديّة. كانت هناك علاقة بين خوتشكو وأحمد خان باشا، ويقال بإنّ الأخير قد خطّط للقاء بين خوتشكو والشاعر نالي (أحد ابرز قمم الشعر الكلاسيكي الكوردي في القرن التاسع عشر) في السليمانيّة، أو في دمشق، ووعده بالحصول على بعض الكتب الأدبيّة الكورديّة، ولكنّ العلاقة بينهما انقطعت برجوع أحمد خان باشا إلى إسطنبول. دوّن خوتشكو ملاحظاته وأفكاره وتقاريره فيما يتعلّق باللغة الكورديّة وغيرها، وإحدى لهجاتها، التي سمّاها لهجة سليماني.
تطوّرت الدراسات الشرقيّة في القرنين العشرين والحادي والعشرين. وخصوصا البروفيسور ماريا بارادوفسكا Maria Paradowska وكتابتها بعض المقالات، وأطروحتها للدكتوراه التي يتعلّق جزء منها بالشؤون الكورديّة، وقد أصدرتها ككتاب في سنة 1973 بعنوان (علاقة بولندا بالعراق في القرن التاسع عشر كمصدر أثنوغرافي). ثم البروفيسور لشك جينيغل Leszek Dzięgiel المتخصّص بالدراسات الأثنولوجيّة والشرق أوسطيّة والكورديّة، الذي اشتهر بكتابه (القضيّة الكورديّة)، 1992. وكذلك البروفيسور أنجي بيسوفيتش PisowiczAndrzej المتخصّص باللغات الأرمينيّة والفارسيّة والكورديّة، واهتمامه باللهجة السورانيّة. وتواصل الدراسات الكوردولوجيّة بأقلام باحثين آخرين، ومنهم الشباب على وجه الخصوص.
ورشتان للكوردولوجيا
الورشة، بحسب الدكتور عدنان عودة، هي أدنى من القسم، يتم فيها اعداد الدراسات والابحاث، لكن هي بمنزلة القسم الذي يخرج الطلبة ويمنحهم الشهادات العلمية. وهناك ورشة للدراسات الكوردولوجيّة في معهد الدراسات الآسيويّة بجامعة آدم ميتسكيفيتش Adam Mickiewiczفي مدينة بوزنان. وقد ترأس الدكتور عدنان (مقدم المحاضرة) إدارتها في البدء، أمّا الآن فيديرها فريق عمل شاب برئاسة د. أغنيشكا غراتشك Agnieszka Graczyk. وهناك ايضا ورشة الدراسات الكورديّة في معهد اللغات الشرقيّة بجامعة ياغيللونسكي Jagielloński، في مدينة كراكوف، يديرها حاليًّا فريق عمل شاب برئاسة د. يؤنّا بوخنسكا. بالاضافة الى ذلك، هناك المركز الكوردي للمعلومات والتوثيق (تأسّس سنة 2001).
يذكر ان عدد الكورد في بولندا قليل، حيث أوضح المحاضر، لا يرقى الى مستوى الجالية (حوالي 150-200) شخص، من غير الطلبة. أخذت بعض المعاهد الجامعيّة في بولندا بتدريس اللغة الكورديّة (وخاصّة اللهجة السورانيّة) لطلابها، لا سيّما في جامعتي آدم ميتسكيفيتش في بوزنان وياغيللونسكي في كراكوف.
تغطية: طارق كاريزي