طارق كاريزي : مجلس أدباء كركوك

طارق كاريزي : مجلس أدباء كركوك

بعيدا عن أي تنظيم أدبي وخارج نطاق اتحاد الأدباء الكورد، توافق عدد من القصاصين والنقاد والشعراء الكورد في كركوك على تنبي مشروع أدبي مفتوح الافق. هؤلاء الادباء بدأوا باكورة نشاطاتهم بعقد ندوات في الهواء الطلق وأجواء الريف الكوردستاني. هذه الجماعة الأدبية التي لم تطلق على نفسها أي عنوان ولم ترفع أي يافطة أو شعار أدبي، حملت أخيرا اسم (مجلس ادباء كركوك) خلال الجلسة (أو الندوة السادسة) التي عقدتها في مكتبة كاريز بمدينة كركوك.

مجلس ادباء كركوك عقد جلسته السابعة ايضا في المكتبة نفسها، وقد خصص هذه الجلسة لتقديم ثلاثة أبحاث عن شيخ الهجو في تاريخ الادب الكوردي، الشاعر الشهير شيخ رضا طالباني. ثلاثة أبحاث قدمها النقاد: أمين شوان، عبدالله قرداغي ونزار محمد صابر. وقد تحدث الباحث المترجم أمين شوان عن سيرة الشاعر شيخ رضا ونتاجه الشعري، وعن علاقات الشاعر مع أفراد الاسرة الزهاوية، خصوصا المفتي الزهاوي ونجله الشاعر العراقي المعروف جميل صدقي الزهاوي. هذه الاسرة الكوردية البغدادية التي تلقبت بالزهاوي نسبة إلى مدينة زهاو (زهاب: سربول زهاب) في شرق كوردستان. ويشير الشاعر شيخ رضا بإكبار الى المقام العلمي الكبير للمفتي الزهاوي، فيما دخل في سجالات مع نجله الشاعر جميل صدقي الزهاوي، وكذلك الشاعر الكوردي البغدادي شكري فضلي (والفضلي نسبة الى حي الفضل في الرصافة بقلب بغداد). فيما توقف الباحث عبدالله قرداغي عند محطات مفصلية من حياة الشاعر وعطائه. وأوضح الكثير من خفايا وزوايا الإبداع الشعري لدى شيخ الهجاء في الأدب الكوردي. وتطرق الباحث نزار محمد صابر الى البعض من مكامن الابداع لدى الشاعر شيخ رضا طالباني ومقامه الشعري، وقدم ايضا بحثا موجزا عن مجمل أدب الهجو في تاريخ الأدب الكوردي مع إشارات الى شعراء الهجو في هذا الأدب وقراءة نماذج من اشعارهم في الهجو. وقدم ملخصا مكثفا عن حذاقة شيخ رضا طالباني في عالم الهجو وعلو شأنه في ذلك.

تجدر الاشارة، الى ان ندوات مجلس ادباء كركوك، الذي استلهم تسميته من مجالس الادب في مدن شرق كوردستان، هذه المجالس التي تقود بنجاح الحركة الأدبية هناك، تمتاز بروح الانفتاح والتعمق في المواضيع الادبية وشؤون الفكر والثقافة التي يتم طرحها. وكل ندوة من ندوات المجلس تستمر لعدة ساعات، يتم خلالها تداول الكثير من شؤون وشجون الأدب والابداع الثقافي، وتمنح الفرصة للجميع لطرح آرائهم وملاحظاتهم حول واقع الثقافة و الادب الكورديين، خصوصا عن المواضيع والسجالات التي يتم طرحها في كل جلسة. ولا تخلو ندوات المجلس من خدمات تقديم الماء والشاي والمرطبات والحلويات وأحيانا وجبات الطعام. أجواء وطقوس جلسات مجلس أدباء كركوك و ندواته، ليست اعتيادية، بل انها مفتوحة ومشجعة وتختلف عن سواها من ندوات تعقدها جهات اخرى راعية للأدب والثقافة في إقليم كوردستان.

الالتزام في مجلس ادباء كركوك حرّ من غير قيود أو تعليمات. بل ان نيات صادقة تجمع هؤلاء القصصيين والادباء الكورد الكركوكيين، و يشارك في جلساتهم أحيانا عدد من ادباء المدن الكوردستانية الاخرى، حيث شارك كل من الشاعر نوزاد رفعت والقاص صابر رشيد والصحفي صباح شيخاني من أربيل في الجلسات الاخيرة للمجلس. ويهدف المجلس الى تقديم الصورة الحقيقية المشرقة لواقع الأدب والعطاء الأدبي لمبدعي كركوك في مختلف حقول الأدب والثقافة والفكر والنقد والترجمة والتأليف. ويطمح المجلس إلى عقد ندوات في باقي المدن والبلدات الكوردستانية. ومن المقرر أن يعقد ندوته المقبلة بعد عيد الفطر في مدينة حلبجة، وذلك لتقديم صورة نموذجية عن معالم الادب والثقافة الكوردية في كركوك، هذه الثقافة التي عاشت قطيعة قاسية ترتب عليها تشتت النخب الثقافية في المدينة بين مختلف المدن الكوردستانية الاخرى والمهاجر، حتى باتت الثقافة الكوردية والعطاء الثقافي في هذه المدينة ضبابيا من دون ملامح.

المنضوون تحت مظلة مجلس أدباء كركوك يعتقدون بأن للثقافة والعطاء الكوردي في كركوك منزلة مهمة لا تبارى، الا ان الظرف الاستثنائي الذي مرّت به هذه المدينة وسياسات الصهر القومي والاقصاء التي اتبعتها السلطات العراقية ضد هوية هذه المدينة، قد غيّب عنها كل ملامح الثقافة وتعرضت المكونات والركائز الثقافية للسكان الاصليين للمدينة للتهميش والاقصاء. وكانت هناك سياسات رسمية تقتضي اضفاء هوية ثقافية جديدة قسرا على المدينة ومسح الهوية السابقة لاثنيات المدينة.

من هذا المنطلق يسعى أعضاء مجلس ادباء كركوك الى تفعيل دور الأدب والثقافة في المدينة، وكذلك إعادة احياء دورهما في حياة الشعب وتهيئة الارضية للأجيال الجديدة من أدباء وكتاب وشعراء وكتاب سرديات لأخذ مواقعهم، وكذلك اعادة لحمة التواصل بين المتلقين من مختلف شرائح المجتمع والمنتج الثقافي الذي يعاني حاليا نوعا من الجدب والقحط على مستوى العطاء الأدبي و مستوى استجابة المتلقين للمنتج الادبي والثقافي ايضا.

مهام كثيرة بانتظار مجلس أدباء كركوك الذي بات، بكل هدوء ومن دون شوشرة، يشكل علامة بارزة في الواقع الثقافي للمدينة، خصوصا وان أعضاءه ينأون بأنفسهم عن التماس العون من خارج الوسط الثقافي ولا يودون الاستظلال تحت خيمة التشكيلات والمؤسسات غير الثقافية، بل انهم اختطوا لأنفسهم مسارا مستقلا ينأى بهم عن كل حاجة الى المؤسسات الثقافية التي يرون انها باتت عاجزة عن قيادة الركب الثقافي.

Rojava News 

Mobile  Application