Rojava News: لماذا نجد من الضروري التحدث عن اللوحة ذات الطابع الكوردي؟ سؤال ربما تكون الإجابة عنه بالنسبة للجيل الجديد ضرورية، السؤال نفسه مع اجابته، هو في منتهى الضرورة بالنسبة لمتابعي الفن والمولعين بالجمال عموما. الوسط الفني، ليس في كوردستان فقط، بل في العديد من الأماكن والبلدان الأخرى كذلك، يشهد مداولات ومناقشات مستفيضة حول الهوية المحلية والعالمية للمنجز التشكيلي. تتباين الآراء والطروحات حول المرفأ الذي تستقر عنده سفينة الفن؟ ما الغاية والفائدة من إثارتنا سؤال الهوية في عالم الجمال واللون والشكل والحجم؟
ربما هناك العديد من الاسئلة الاخرى التي تطرح لدى الفنانين التشكيليين وكذلك لدى متابعي الفن التشكيلي وزبائنه. كل هذه الاسئلة مهما كانت، فهي تنبع من نية طيبة وخالصة، لأنه في النهاية عمل الانسان لا يمكن أن يكون مفرغا من الغاية والمقاصد، لذلك فإن الاعمال التشكيلية (لوحات، اعمال نحتية، سيراميك.. الخ)، هي تحمل دوما الكثير من الآمال والغايات. إن الفنان في غنى عن اعترافي من عدمه، حيث يطلق خطابا أو رسالة أو اشارة من خلال بلورة منجزه الجمالي. ولعل غياب النقد التشكيلي أو قصوره وهامشية حضوره، هي الأسباب الأكثر وجاهة في استمرار هذه الاسئلة وبمزيد من الالحاح، لأن النقد ستكون له كلمة الفصل في تحديد مسار الحوارات الفنية وكل ما يتعلق بعالم الجمال كمنتج وكخطاب، ويقدم الطروحات والاجابات حول شؤون وشجون الفن والفنانين، وتراجع حضور النقد في الوسط الفني الكوردي، يجعل الاسئلة مستديمة أو ربما تسير نحو الافول والضمور.
عندما نتحدث عن الطابع الكوردي للوحة (للفن عموما)، هذا لا يعني اننا نضع الحدود والجدران بوجه العملية الابداعية للفنانين التشكيليين. إذ ليس باستطاعة أحد أن يضع العراقيل والموانع أمام الفن، فالفن نشاط مصدره فكر ومخيلة وأحاسيس الفنان. فهل لإحد القدرة على لجم انطلاقات الفكر والمخيلة والاحاسيس؟ كلا، من غير الممكن أن يحصل شيء كهذا. لذلك فاننا عندما نتحدث عن النكهة الكوردية في اللوحة، والتي هي ذات علاقة بفحوى وشكل المنتج الفني، ومع ان الفحوى والشكل لهما ارتباط كبير بالخيال المبدع للفنان، فهما في الوقت ذاته لا يخرجان من دائرة عرض وطرح بيئة الفنان في قالب جمالي بصري. فالفنان شاء أم أبى، هو ابن شرعي للبيئتين الطبيعية والبشرية اللتين تحيطان به من كل حدب وصوب، وكذلك ثمرة حضارة وتراث وثقافة، تحيط به من كل جانب. فهو قد ترعرع من حيث الفكر والادراك والجسد داخل هذه البيئة المتداخلة المتشابكة، ذات الخصوصية وذات الملامح الواضحة. فهذه البيئة هي الحاضنة التي بلورت شخصية الفنان وحددت افق ابداعه الفني والجمالي.
واذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الفنان يبلغ منزلة الفن والعطاء، عندما ينظر ويتأمل الاشياء من حوله بفكر ونفس تمتلك حساسية التجاوب البناء، فهو يمتلك رؤياه الخاصة التي تختلف عن رؤية الانسان العادي. يقوم بقراءة معمقة والى حد ما رمزية وتحليلية للظواهر (الافعال والاشياء). ومن خلال انجازه القراءة الخاصة ذات المستوى الرفيع للظواهر وتجليات البيئة البشرية والطبيعية، يصل الى درجة التجاوب، وهذا التجاوب يتبلور على شكل خطاب بصري جمالي. والسؤال الملح هنا هو: ترى، كل هذه الاشياء الى أي حد هي مرتبطة بعناصر ومكونات بيئة الفنان؟ بغض النظر عن هذه البيئة، هل هناك حيز للابداع الفني الحقيقي وليس الابداع الخادع، لدى الفنان؟
الاسئلة تتوالى، ولندع الاجابة عن بعضها للقارئ. اعرج على مسألة المبرر والمسوغ لإضافة الصبغة الكوردية على اللوحة؟ فعندما يتم التحدث عن الهوية الكوردية للوحة (أو أي عمل تشكيلي آخر)، هذا لا يعني محاصرة الفنان داخل دائرة ضيقة، بل نحن على اعتقاد بأنه ضمن اطار الانفتاح والحرية المتاحة للفنان، هناك زاوية مفتوحة نحو الابداع، بوابة مفتوحة باتجاه التراث الحضاري والثقافي الكوردي. فهناك مساحة شاسعة غير محددة من الجمال، من حيث الشكل والمحتوى، تراث في غاية الغنى، هذا التراث الغني بحاجة ماسة للبلورة ومن ثم نقلها من دنيا الواقع الى عالم الاستطيقا. هذه المساحة هي في الواقع عالم التراث والثقافة والحضارة الكوردية، أرضا وأناسا.
من هنا أود الاشارة الى بعض المفردات، كي تكون مدار الحديث كمثال للوحة بنكهة كوردية. تراث النضال المسلح الذي يطلق عليه بالكوردية (بيشمركايتي)، فهو سجل حافل بالمآثر والكبرياء، لم يتناوله التشكيليون الكورد الا بشكل عرضي. مآثر البيشمركه حاليا وفي السابق لم تتحول حتى الآن لدى التشكيليين الكورد الى مادة مركزية للعمل والعطاء الفني، ورغم عشرات السنين من النضال المرير والكفاح المليء بالتضحيات، عجز الفنانون الكورد عن انجاز صرح أو لوحة أو جدارية أو نصب أو تمثال رمزي للبيشمركه، فالتشكليون الكورد عجزوا عن بلورة النضال القومي لشعبهم بخطاب بصري واضح الملامح.
ومن التاريخ الكوردي يمكننا الاشارة الى ملحمة قلعة دمدم التي أبدى فيها الكورد صمودا اسطوريا، ليس الا اسطورة من كم كبير من أساطير النضال والمقاومة والصمود التي سطرها الشعب الكوردي طوال تاريخه ضد الغزاة والمحتلين، مثل هذا الملاحم البطولية في المقاومة يمكن أن تكون مادة لعشرات الاعمال والنصب البانورامية التي لم يولها الفنانون التشكيليون حقها في العناية والتجسيد. مما يعني اننا أمام جدب بصري من حيث تناول هذا التراث ذي البعد المأثوري. ويحوي التراث الكوردي عددا كبيرا من ملاحم الحب والغرام، وهناك نصوص تراثية وفلكلورية تسهب في سرد تفاصيل هذه القصص. وهذه القصص تشكل ذخيرة كبيرة القيمة من حيث السرد الجمالي ومادة خاماً لبلورة كم كبير من المنتج البصري الذي يتوافق مع الذاكرة الجمعية لشعب كوردستان ولا يخلو من عناصر ومقومات الجذب والجمال بالنسبة لغيرهم من زبائن ومحبي الفنون البصرية.
يمكنني القول بشيء من التعميم، ومن دون أن يشمل القول كافة التشكيليين الكورد، لكن عموما أقول إن الفنان التشكيلي الكوردي يفتقد المشروع الفني، ولذلك فإن منتجه البصري يأتي مشتتا ولا يقدم خطابا عرضيا يشكل منعطفا في حركة التشكيل الكوردي. ومع ذلك فإن هناك فنانين كورداً استطاعوا تبني مشاريع فنية كبيرة وشكلوا علامات فارقة ضمن مجمل الابداع التشكيلي الكوردي. نشير من بينهم الى الرسام الكبير جمال بختيار الذي اختار الطبيعة والارث النضالي التحرري ثيمة لاعماله، هادي ضياءالدين فنان جعل التراث والاثنوغرافيا الكوردية مادته الاساسية في العمل والعطاء الفني. زهير حسيب جعل من تراث وميراث منطقة الجزيرة الكوردية منهلا لاعماله الفنية وعطائه البصري. الرسام العالمي أحمد كونشتكين جعل من تراث الاناضول والثقافة الكوردية مادته في العطاء الفني. آزاد شوقي اختط من الطبيعة دربا لبلورة خطاب بصري ذي طابع وخصوصية نادرة. دارا حمه سعي اعتمد التراث الحضاري والتأريخي لوادي الرافدين وكوردستان كمادة لضخ الجمال عبر النحت والنصب. هؤلاء الفنانون هم من أجزاء كوردستان الأربعة، قدموا أعمالا فنية وخطابا بصريا بنكهة كوردية واضحة الملامح. كلهم يجتمعون تحت مظلة خطاب بصري واضح الملامح. ونتاجاتهم لم تنفصل عن مسار الحداثة في الفن من حيث التقنيات والاداء وبلورة المنتج البصري، فهم قد قدموا فنا أصيلا وذا جذور راسخة ومواكبة للحداثة. جذور فنهم كوردية ذات ارتباط شديد بالتراث والبيئة ووجهتها نحو عالم اليوم.
باختصار أقول، إن الملامح الكوردية في الفن التشكيلي دليل على وضوح في الرؤية والتفكير الصحي السليم والادراك والفكر النير. فن كهذا باستطاعته أن يسلك طريق العالمية وأن يشكل إضافة جديرة للفن العالمي. انه فن بنكهة وشكل وفحوى عنوانها التميز.
طارق كاريزي



