كوباني الألم والأمل

كوباني الألم والأمل

12:43:40 PM

 

Rojava News: "كوباني"، ما إنّ يُذكر هذا الاسم، سرعان ما يبادر إلى الذهن كلمتي "المقاومة والصمود". تلك المدينة الكوردية السورية التي تقع شمال البلاد على الحدود السورية التركية والتي تبعد عن نهر الفرات نحو 30 كيلومتراً. وأكثر ما يميزها نظام شوارعها "الفرنسي"، فما أن تقف في الجهة الشرقية حتى يصبح بإمكانك أن ترى الجهة الغربية لشدة استقامة وتنظيم شوارعها، كما تعرف بالتل الشهير "مشتى نور"، وقد تطوّرت كثيراً من الناحية الصناعية وسميت بمدينة "المقاومة والصمود" نتيجة مقاومتها وصدها هجمات تنظيم "داعش" عليها في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2014 من قبل وحدات حماية الشعب والمرأة وإلى جانبهم قوات البيشمركة الكوردستانية وكتائب من الجيش السوري الحرّ.

ففي السادس عشر من شهر أيلول/سبتمبر من عام 2014 هاجمت قوات "داعش" مدينة كوباني من عدة  محاور وكانت أشدها على ريف المدينة، الأمر الذي أثار مخاوف أهالي تلك المنطقة، حيث نزح عشرات الآلاف منها واجتمعوا على الحدود التركية منتظرين أن تسمح تركيا بمرورهم إلى أراضيها.

                                          

رحلة الخوف والنزوح

أصوات بكاء الأطفال جوعاً واحتراق قلوب أمهاتهم، وكذلك الرجال الّذين يعيشون حالة ترقّب شديدة، يسيرون بكل حذر خوفاً من الألغام على طول الحدود. القهر والخوف على مصير من لم يرضَّ الخروج من كوباني، كل تلك المشاهد يتذكرها (عمر) بقلب يعتصره الألم، جيث يبدو الحزن واضحاً على وجهه، وهو يحاول أن يحبس دموعه ويكمل حديثه عن رحلة نزوحه من كوباني إلى تركيا. 

عمر من قرية تدعى (قجك) الواقعة جنوب شرقي مدينة كوباني وقد نالت تلك القرية نصيبها من الدمار، يقول (عمر) أنه في السابع عشر من أيلول، خرج مع عائلته متوجهين إلى كوباني المدينة وهم يظنون أنها حالة مؤقتة ستنتهي وسيعودون بعد ذلك إلى منزلهم من جديد. في بعض الأحيان كان عمر مع بعض الشباب يحاول العودة  إلى القرية. كانوا يرون بأعينهم كيف تقصف قوات "داعش" ريف المدينة بالأسلحة الثقيلة. مضت ليلتهم في المدينة ولم يعرف النوم طريقاً إلى عيونهم، وفي اليوم التالي اقتربت قوات "داعش" حوالي عشرين كيلومتراً من المدينة، ليتوجه عمر وعائلته في ظهيرة اليوم ذاته إلى الحدود التركية مع نصف أهالي المنطقة الشرقية من المدينة قائلاً "لقد تركت كل الأوراق الشخصية في منزلي".

يتنهد عمر تنهيدة طويلة ويكاد ينهي علبة السجائر وهو يطفئ واحدة ويشعل الأخرى، ثم يعود ليصف حالة النازحين في تلك الأثناء وكم كانت مأساوية وكم عاشوا لحظات لصعوبتها لن ينساها أبداً، مع قدوم الليل ولأن خطوط الكهرباء انقطعت جراء الاشتباكات، ساد ظلامٌ حالك، لهذا السبب اضطرت العائلات أن تربط أطفالها وحقائبها بحبال ويربطونهم بأنفسهم لئلا يضيع أحدهم، وفي الوقت نفسه تم قصف معمل لافارج للإسمنت القريب من الحدود أمام أعين الصغار والكبار، حيث ارتفعت السحب الدخانية .

يستذكر عمر كم ساد رعب كبير بين الأطفال وقتها، مع حلول المغرب تمكنوا من دخول الأراضي التركية وبعد ساعة توزعوا على الحدائق والجوامع. ومع فجر اليوم التالي توجهوا إلى مدينة (برسوس) التركية وبعدها إلى مدينة عنتاب، أمضوا ثلاثة أيام في تركيا ولم يحتملوا أكثر من ذلك أرادوا العودة إلى كوباني ولكن كوباني كانت تشتعل، فتوجهوا إلى منطقة الجزيرة ومنذ أكثر من سنة ونصف يعيش عمر مع عائلته في مدينة ديرك. رغم ذلك لم ينسَّ أن بعض الرجال الكبار في العمر لم يقبلوا بمغادرة كوباني وقامت قوات داعش فيما بعد بذبحهم وكانوا هم أولى الضحايا المدنيين.

 

كوباني تحت النار

تمكنت قوات "داعش" من الدخول إلى مدينة كوباني بعد اشتباكات عنيفة بينهم وبين وحدات حماية الشعب والمرأة أواخر عام 2014، وبمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية التي دعت لتشكيل قوات تحالفٍ دولي ضد تنظيم "داعش" في سوريا والعراق من خلال شن غارات جوية على مواقعها، والخطة كانت تشمل مواقع التنظيم في كوباني والتحالف بدأ بستة عشر دولة غربية وعربية .وبعد شهر من دخول داعش إلى المدينة وفي يوم 31/ تشرين الأول من العام ذاته، باشرت قوات البيشمركة القادمة من إقليم كوردستان مساندة المقاتلين الكورد من وحدات حماية الشعب والمرأة، بعد ان تم السماح لهم بالانتقال عبر تركيا إلى كوباني في خوض أولى المعارك ضد داعش. وكانت المشاركات الأولى لهم باستخدام الأسلحة بعيدة المدى بهدف قصف تنظيم داعش، حيث بقيت المعارك مستمرة بين قوات "داعش" من جهة وبين القوات الكوردية من وحدات حماية الشعب والمرأة والبيشمركة وفصائل من الجيش الحر بمساندة طائرات التحالف من جهة أخرى ودام الحصار على المدينة مدة أربعة أشهر.

 

كوباني تتحرر

بعد الحصار والمعارك التي دامت أربعة أشهر، وبتاريخ 27/كانون الثاني من عام 2015 تم تحرير مدينة كوباني من قوات داعش بشكل نهائي وبدأ قسم من أهالي كوباني بالعودة إلى منازلهم من جديد وبدأت الحياة تعود لطبيعتها شيئا فشيئا، في تلك الفترة، عمت الفرحة كل المناطق الكوردية لهذا التحرير، السعادة غمرت ديرك وقامشلو وعامودا وعفرين وسري كانيه.

 

فرح غير مكتمل

لم تستوعب قوات التنظيم الإرهابي الخسائر والانكسارات الكبيرة التي لحقت به في كوباني وبتاريخ 25/حزيران من عام 2015 شهدت مدينة كوباني أكثر المجازر بشاعة، ففي فجر ذلك اليوم دخلت قوات داعش متنكرة بالزي الرسمي لقوات الجيش الحر، دخلوا بداية إلى قرية "برخ بوطان" وقتلوا (23) مدنياً من نساء وأطفال وكبار السن وفي داخل المدينة تمركزوا على أسطح المباني وقتلوا كل من مر امامهم وأصدرت وحدات حماية الشعب بياناً بان أكثر من (80) عنصرا من داعش دخلت المدينة متنكرة لترتكب مجزرة بحق الأهالي وبحسب بيان أصدره المجلس التنفيذي لـ(لإدارة الذاتية) في كوباني، ضحايا المجزرة تجاوز عددهم (233) مدنيا منهم (23) من قرية برخ بوطان (220) مدنيين في مركز المدينة بالإضافة إلى إصابة (273) مدنيا بجروح.

 

كوباني الرقم الصعب

مدينة كوباني لم تعرف الاستسلام ومازال أبناؤها يقفون في وجه كل من يريد أن يقترب منها، استطاعت بمقاومتها وشجاعتها أن تصبح رقما صعبا واسما مهما يذكر في المحافل الدولية.

 

آريا حاجي

Rojava News 

Mobile  Application