الايزدية، قراءة في معطياتها

الايزدية، قراءة في معطياتها

1:16:59 PM

 

Rojava News: أقامت منظمة خاني للبحوث الفكرية امسية للشخصية الكوردية الايزدية (عيدو بابا شيخ) على قاعة محمود بايزيدي في مبنى الاكاديمية الكوردية بأربيل، حيث تحدث بابا شيخ عن الايزدية بشكل مقتضب ومكثف. ونظرا لأهمية الموضوع نستعرض فيما يلي فحوى المحاضرة، مع اضافات من قبلنا، بحكم حاجة الموضوع وتلبية لما نتوقعه من رغبة القراء في التعرف على إحدى أعرق الطوائف الدينية الكوردية وملامح عن الديانة الايزدية.

قال عيدو بابا شيخ إن الايزدية كديانة ومعتقد يعود الى آلاف السنين، والايزديون هم الأكثر تمسكا باحدى أقدم الديانات الكوردية. ومصطلح الايزدية الذي يطلق على الطائفة وديانتها، مشتق من كلمة (ايزد) أو (يزدان) وتعني باللغة الكوردية الرب أو الاله. والايزدي هو عابد الرب أو المتعبد للرب. بعض المؤرخين العرب ينسبون التسمية الى (يزيد بن معاوية)، أوضح مقدم الامسية بأن أحدا لم يسمع بأن يزيد بن معاوية قد أسس ديانة أو ابتدع معتقدا طوال حياته، مما يعني ان هذا الادعاء باطل ويفتقر للدليل والحجة المنطقية.

وأكد بابا شيخ، بأن الايزدية يعتقدون بأن لله 1000 اسم واسم مقدس. ويرى الباحث العراقي رشيد خيون، بأن (أزيدا) كلمة سومرية وتعني الطاهر أو المسافر في طريق سليم. ويعتقد الايزديون بأنهم سائرون على هذا الطريق (طريق الحق، الدين الحق). والكلمة السومرية (أزيدا) قريبة من حيث اللفظ والمعنى من مصطلح (الايزدية). وتابع بابا شيخ القول: معتقدات اليارسان (أهل الحق، كاكيي) قريبة من معتقدات الايزدية. وللتوضيح نقول فان الديانتين لهما جذور كوردية محلية وظهرتا في جغرافية كوردستان الحالية.

وينتشر الايزديون في مناطق من محافظتي نينوى ودهوك (أقضية شنكال، شيخان، زاخو، سيميل و البعاج)، ومناطق وجودهم في البعاج جاءت بعد أن قامت الحكومة العراقية السابقة بفصل مناطق من شنكال والحاقها بالبعاج كجزء من سياسة تفتيت المجتمع الايزدي، وكذلك القيام بافراغ قرى الايزدية وتهجيرهم واعادة توطينهم في مجمعات سكنية قسرية بالقرب من البعاج. وقد تعرض هؤلاء المهجرون قبل غيرهم إلى أسوأ حملة قتل وإبادة وسبي ونهب وسلب على أيدي مسلحي تنظيم داعش الارهابي. وتم توطين العرب في قرى وأراضي الايزدية، كجزء من مخطط شامل لتعريب كوردستان وبضمنها مناطق الكورد الايزديين، الذين تم تجميع المزارعين والفلاحين منهم في مجمعات تعريب قسرية أثناء عهد البعث وصدام، واطلقت تسميات عربية قحة على هذه المجمعات، مثل (القحطانية، اليرموك، الرسالة، القادسية و وغيرها). وتعاملت الحكومة العراقية السابقة بازدواجية خالصة مع الايزديين، فمن جهة كانت تمنعهم التمتع بحقوق كورديتهم (منع الجنود الايزديون من التسريح من الخدمة العسكرية وفق قرار خاص بالقومية الكوردية، مدعية انهم من القومية العربية، وعزلت مناطقهم عن جغرافية الحكم الذاتي لكوردستان)، فيما كانت الكتب والمطبوعات السرية المتداولة لدى دوائر الأمن والمخابرات تقول بإن الايزدية كورد، وعاملتهم مثل ما عاملت بقية الكورد، حيث تعرضوا للتعريب والتهجير ومصادرة الاملاك والاراضي. وبذلك فقد دفع الايزديون ضريبة مضاعفة، الاولى قومية والاخرى دينية. وبعد ان تمت مصادرة أراضي الايزدية، أصبح المزارعون الايزديون يعملون بالاجرة في أراضيهم وأملاكهم لصالح المزارعين (من أبناء القبائل العربية التي استملكت الارض بموجب أوامر أصدرتها الحكومية ابان عهد البعث)، وأصبحت هي من تمتلك الأرض وتستخدم صاحبها الحقيقي كأجير في فلاحتها. هذه الحالة تكررت في ريف كركوك وخانقين ومناطق اخرى من اقليم كوردستان.

واشار عيدو بابا شيخ، الى ان الايزدية موجودون في عدة مناطق من كوردستان سوريا (الحسكة، عامودا، سري كاني و عفرين)، وكانوا حتى عهد قريب موجودين في مناطق من كوردستان تركيا (ويران شهر، باتمان و مدياط)، وكانوا موجودين في مناطق (وان، بايزيد و قارس) في شمال كوردستان حتى مطلع القرن العشرين، الا انهم اضطروا في هذه المناطق الى الهجرة الى ارمينيا وجورجيا وروسيا وأوكرانيا ووصل البعض منهم الى سيبيريا، بعد الحملات العثمانية ضد الارمن أثناء الحرب العالمية الاولى. وتعيش حاليا جالية ايزدية كبيرة في المانيا. الايزديون الذي هاجروا، هاجروا بدينهم وأرواحهم الى البلدان المختلفة، ومن بقي منهم في ديارهم في شمال كوردستان في المناطق المحاذية للحدود الروسية والايرانية، فيما أجبر من بقي منهم من قبل العثمانيين على تغيير ديانته واعتناق الاسلام.

وتعرض الايزديون طوال تاريخهم، بحسب الادبيات الايزدية، الى (73) حملة قتل وابادة، آخرها كانت حملة داعش ضدهم. ونتيجة تواصل حملات القمع ضد الايزدية، فقد تقلص عددهم باستمرار وتقلصت جغرافية انتشارهم بشكل متواصل طوال القرون الماضية. ونجد ان بعض العشائر الكوردية قسم منهم مسلمون والقسم الآخر ايزديون، ولعل في ذلك اشارة ودليل على نتائج القمع الممارس ضدهم. وبما ان الديانة الايزدية ديانة غير تبشيرية، عليه فان الايزدي هو من ولد لأبوين ايزديين.

وأوضح بابا شيخ، بان الايزديين مكون اثني من مكونات الامة الكوردية، لغتهم كوردية، فهم يتحدثون باللهجة الكرمانجية الشمالية، وتراثهم وتقاليدهم كوردية خالصة، بل حتى ديانتهم هي كوردية. ولا توجد احصائيات دقيقة عن عدد الايزديين في كوردستان وعموم العالم، وبحسب التقديرات فان عددهم في اقليم كوردستان (العراق) يبلغ (650- 700) ألف نسمة، وجغرافية انتشارهم الاصلية في كوردستان وأجزائها الاربعة فقط، الا ان قسما منهم يعيش حاليا في بلدان المهجر، كمواطنين جدد في بلدان جديدة.

وللايزدية طقوسهم وعباداتهم الخاصة وكذلك أعياد عدة، حكومة اقليم كوردستان تقر أعياد الايزدية عطلات رسمية لهم، فيما اعتبرت احد هذه الاعياد عطلة رسمية لجميع سكان الاقليم. المعبد الرئيس للايزدية هو معبد لالش الموجود بين بلدة شيخان ومدينة دهوك. النصوص الدينية المدونة والشفاهية للايزدية هي باللغة الكوردية. ويعتقد الايزديون ان لغتهم الكوردية هي لغة أهل الجنة. المستشرق الفرنسي (روجيه ليسكو) يقول: الايزديون يؤمنون باله واحد. وهناك نص ايزدي مقدس يقول (لا تسقط الورقة من الشجرة من دون اذن الله). وتتحدث النصوص الدينية الايزدية عن عدد كبير من الانبياء بدءا بأب البشرية آدم ومن ثم نوح وابراهيم واسماعيل وموسى وعيسى ومحمد (عليهم صلاة الله ورضوانه).

السرديات والميثولوجيا الايزدية تتحدث باسهاب ودقة عن قصة الخليقة ونشوء الكون والجنة والنار. وتؤكد التعاليم الايزدية على عفة النفس وكرم الخلق وعفة البنت والجود وحسن الاخلاق. وتحتفظ النصوص الادبية والدينية للايزدية بالكثير من المفردات الكوردية الاصلية. وهي بذلك تشكل رافدا لاغناء ورفد القاموس الكوردي.

زيارة لالش أثناء الاعياد والمناسبات، تعد من الطقوس الايزدية الشائعة. يزور الايزديون معبد لالش، ويتم تعميد الاطفال في نبع (كانيا سبي: النبع الأبيض) الموجود في وادي لالش بالقرب من المعبد. وقبل الدخول الى لالش، هناك مكان يطلق عليه (سلافكة) أي مكان اداء السلام والتحية لمعبد لالش. ويعتقد الايزدية بتناسخ الارواح ويطلقون عليه (كراس كوهرين: تبديل الملبس)، في اشارة الى خلود الروح وتبدل الجسد (المظهر والشكل).

ويدعو الايزديون في أدعيتهم بالخير لكل الكون ولجميع الناس والكائنات ومن ثم لانفسهم. وتؤكد تعاليمهم الدينية على تقديم العون والمساعدة لكل انسان بغض النظر عن اصله أو معتقده. فهناك قول ينص على ان الحسنة المقدمة لماء النهر لن تذهب سدى، بل ان السمك يأكلها ويستفيد منها. وهم يؤمنون بأن الخير والشر هما من ارادة ومشيئة رب العالمين. وتؤكد التعاليم الدينية على ضرورة النهوض مبكرا والمباشرة بالعمل والعبادة وعمل الخير. الكذاب وكل مذنب سيلقى الحساب والجزاء العادل.

 

طارق كاريزي

Rojava News 

Mobile  Application