Rojava News: انطلقت الاحتجاجات السورية بعد أن حققت الاحتجاجات المصرية والتونسية النصر، حيث أُسقط نظاما مبارك وبن علي. التصور الجمعي للجماهير السورية كان يدور حول النتائج المنتظرة من الاحتجاجات التي سرعان ما تحولت الى انتفاضة سلمية شهدت خلالها شوارع المدن والبلدات السورية نزول جماهير متزايدة طالبت باسقاط نظام الأسد (البعث). الهبات الجماهيرية في الغالب تكون ذات طابع عفوي يخلو من التخطيط والبرمجة الا ما ندر. والساحة السورية كانت شبه خالية من المعارضة الحقيقية التي يمكن أن تقود الاحتجاجات بالشكل الذي يضمن نجاحها، وايضا تستطيع أن توفر لها الغطاء على المستويين الداخلي والخارجي.
من الانتفاضة الى الثورة
توسُّع مد الاحتجاجات وشمولها الكثير من المحافظات السورية، أثار الرعب في صفوف السلطات السورية التي أسرعت في توجيه الأوامر للقوات الأمنية بمواجهة الاحتجاجات بالعنف. وهكذا تدحرجت الامور من طابعها السلمي الى حالة من المواجهات المسلحة التي أخذ فتيلها يتصاعد حتى شملت كافة الجغرافية السورية. التذمر حيال سلطات البعث القمعية، دفع بالكثير من الشباب السوري لحمل السلاح، رافقه تكون المجاميع المسلحة هنا وهناك. والعلة في الدبابة السورية التي هي غير الدبابة المصرية التي تعانقت فوهتها مع أمواج المتظاهرين. الجيش المصري أثبت انه جيش الشعب، أما الجيش السوري فقد ثبت عليه بالفعل أنه جيش السلطة وجُيِّر لقمع الانتفاضة. وهكذا حصل انشطار مجتمعي لدى الشعب السوري ورفع أبناء البلد البنادق بوجه بعضهم البعض.
نموذجان متناقضان
الرئيس التونسي المخلوع بن علي لم يصمد لأكثر من أسبوع أمام تصاعد الاحتجاجات بوجه سلطاته، فلبّى دعوة العاهل السعودي بالتوجُّه كضيف لاجئ في الديار السعودية حقنا للدماء. أما بشار الأسد فقد اختار التأسد بوجه شعبه، ولم يلبّ النداءات التي وجهت له من أجل حقن دماء الشعب وأبعاد البلد عن التدمير.
وفي قراءة للحالتين يمكننا التوصل الى حقيقة الخلفية الثقافية والواقع الحضري المجتمعي وطبيعة السلطات التي يمكن تفرزها الايديولوجيات والرؤى السياسية السائدة في البلدين. مع ان البلدين (سوريا وتونس) قد خضعا للمستعمر الفرنسي، الا ان تأثيرات الثقافة الفرنسية في تونس هي الأعمق والأكثر تأثيرا، بسبب طول مدة بقاء الفرنسيين في هذا البلد، وربما للجغرافية تأثيرها ايضا، من هنا فان العقيلة (الجمعية) التونسية لابد وأن تفرز نمطا مغايرا للنمط السوري الذي ارتبطت بجذور الثقافة العربية (الشرقية) التي تقدس السلطة وتمنح صاحب الزمان (الرئيس والملك والسلطان والأمير والخليفة والشاهنشاه) سلطة مطلقة على العباد والجماد. بل ان الالتزام بالفكر العروبوي حد الصاق صفة العروبة باسم البلد (الجمهورية العربية السورية) وقواتها المسلحة (الجيش العربي السوري)، جاء من منطلق الاصرار على الالتزام بالهوية العروبية/العربية للبلد. هذا في وقت يعد الشعب السوري من أكثر شعوب البلدان العربية تنوعا من حيث تكوينه الاثني (عرب، كورد، علويون، دروز، جركس، سريان، أرمن، تركمان، سنة، مسيحيون بطوائف عدة، ايزدية، شيعة، اسماعيليون). من باب الاشارة، يمكن استقراء حضور الثقافة الفرعونية والقبطية في تكوين الفكر الجمعي للمجمتع المصري ودوره في جنوح الأفراد والسلطات الى السلم أكثر من جنوحهم للعنف.
ليبيا وسوريا
التدخُّل الدولي لصالح الانتفاضة الليبية، ربما أغنى التصور الجمعي للحالة السورية، وقدم للمنتفضين السوريين جرعات كبيرة من الجرأة على التحدي وخوض غمار مواجهة سلطات الأسد (ليس في الأمر مجافاة للحقيقة حين اختزال سلطات الحكومة السورية وحزب البعث في شخص رئيس النظام، كون سيد القوم لا يرى نفسه خادماً لهم بل يرى نفسه ظل الاله على الأرض). فالشارع أينما كان وفي كل زمان، يبلور تصوراته بعفوية، ويقدّم قراءاته دون تردد، هذه التصورات والقراءات تسري لدى أبناء الشعب وكأنها حقائق ثابتة. هكذا فقد كانت قراءة الشارع السوري وجموع المنتفضين تقول، بأن سقوط نظام الأسد حتمي، ولا يستغرق الكثير من الوقت. وفي حال تعثر هذا المشروع والمطلب الجماهيري، فإن المجتمع الدولي سيلبّي النداء ويضع حداً لدكتاتورية الأسد ونظامه القمعي. الوقائع اثبتت العكس، وبذلك فقد دخل المشهد السوري دوامة العنف.
ثورة مخاض عسير
قال محام كوردي قدم قبل عامين من حلب الى أربيل بحثا عن فرصة افضل للعيش: لقد قلنا للثوار ان كنتم لا تستطيعون حمياتنا، فالأفضل أن لا تدخلوا المدينة. هذا المحامي الحلبي لم يعثر على فرصة عمل مناسبة، فاضطر العودة الى حلب. هذه المدينة التي تعد شريان الاقتصاد السوري، تريّثت طويلا قبل أن تنخرط في الثورة، أو تتدحرج الامور فيها نحو العنف والعنف المضاد. لا جدل في ان تغيّر النظام هو مطلب شعبي سوري، فنظام البعث القمعي حول الحياة في هذا البلد الى جحيم، يتحكم فيه رجل الأمن برقاب الشعب والسيادة للمؤسسات الأمنية التي مدت كالأخطبوط أضلعها في كل حدب وزاوية. لكن الامتداد الزمني الطويل للثورة يضع الكثير من علامات الاستفهام حول جدواها ونتائجها. فهل حقا نحن مقبلون على انتصار الثورة؟ وهل ستحقق الثورة حلم السوريين؟ الوقت مازال مبكرا للاجابة على مثل هكذا تساؤلات.
قبل الدخول في معادلات بلورة التصورات المستقبلية لسورية الوطن والجغرافية والانسان، من المفيد القاء نظرة على واقع الحال وما آلت اليه الامور في البلد. لقد تعرضت سورية للتدمير والخراب، فالبنية التحتية للبلد قد دمرت والميراث الحضاري قد تعرض للنهب والخراب. الشعب (الثروة الأهم) تعرض للتمزق والتفتت ونال منه القتل والتشرد وبات شعب الشتات والمخيمات، وظفر الجوع والحرمان والحصار بالذين مازالوا موجودين في الوطن. هذه النتائج الكارثية للحالة السورية ليس من السهل جبرانها، حتى وان تظافرت جهود دولية لاعادة اعمار البلد، هذا الاعمار الذي مازال تحديد زمن خط شروعه مرهونا بزمن انتهاء الحرب/الثورة. وتبقى الحقيقة الكبرى، هي ان ارادة الشعب ستنتصر.
مقاربة لسوريا المنتظرة
تعقيدات المشهد السوري بيَنة، فتداخل المصالح الدولية والاقليمية والحضور الفاعل للاجندات الاقليمية والدولية، كانت العوامل الأكثر فاعلية في ادخال المشهد السوري نفق اللاجدوى، بحيث باتت الارادة الدولية عاجزة عن وضع حد لهذا الطيش الذي حول البلد الى ركام وأطلق العنان ليد سلطات الأسد كي تدمير النسل والحرث والعمران. نحن في غنى عن التحدث حول الارادة العربية التي أثبتت العجز التام ازاء أزمات جادة خلال ربع قرن المنصرم (احتلال الكويت، مابعد اسقاط نظام صدام، الثورة السورية). عشرون دولة عربية ومن خلفهم الجامعة العربية، دورهم جميعا أقل بالشكل الذي لا يقارن مع الدور الايراني ومن ثم الدور التركي. والارادة الدولية المتمثلة بالامم المتحدة، هي تحصيل حاصل ارادة القوى العظمى ومواقفها ومصالحها مما يجري في العالم وفي سورية بالتحديد. طيب، اين ممكن الخلل، وما هي العقدة؟
تشابك المشهد
رفع نظام الاسد شعار محاربة الارهاب، وحاول ضرب الثورة من خلال اللعب بمختلف أوراق المشهد الاجتماعي والتنوع الاثنوثقافي السوري. مع هذا، لما كان باستطاعة نظامه الصمود أمام الرفض الجماهيري الواسع، لولا استناده على معادلة ثلاثية الابعاد. داخليا هناك قطاع من الشعب السوري (وبالتحديد اثنية محددة) يمتلك زمام السلطة وينعم بخيراتها وله اليد العليا فيها، هؤلاء مستعدون للدفاع عن نظام الاسد حتى الرمق الأخير، وهم يتحكمون بخيرات البلد ومصادر قرار الحكومة وقوتها. ايران عامل اقليمي، هذه الدولة التوسعية الاخطبوطية مدت أحد أذرعها بالتظافر ومن باب نجدة الطائفة الى سوريا، وأعلنت دعمها واسنادها اللامحدود لنظام الأسد، وحرّكت المناضرين من أبناء الطائفة في افغانستان والعراق ولبنان لنصرة النظام. هذا الدعم الطائفي منع جيش النظام من الانهيار رغم تفشي الانشقاقات في صفوفه في السنين الاولى للثورة. والضلع الثالث الساند لنظام الأسد جاء من روسيا والصين (العضوان الدائمان في مجلس الأمن الدولي)، ساهم هذا الضلع في افشال جميع الجهود الدولية في أروقة الامم المتحدة من اجل تبني مبادرة دولية تنهي الصراع في سوريا.
حرب الطوائف
ارتفاع وتيرة الحس الديني (الجهادي) لدى المجموعات المسلحة التي انخرطت في الثورة، أعاد احياء جذور الحس والانقسام الطائفي في المنطقة وتم توظيفه من قبل سلطات الأسد بمزيد من المكر، هكذا فقد تحولت الثورة السورية في شطر واسع منها الى صراع طائفي بين السنة والشيعة، وحاولت قوى اقليمية (تركيا وايران وبعض الدول العربية) توظيف ذلك لصالح اجنداتها. سوريا الثورة تحولت الى ساحة لتصفية الحسابات الطائفية، ولعبت التنظيمات الجهادية المتشددة والنظام الايراني الدور المحوري في تأجيج هذا الصراع الذي شلّ الثورة وحرّف مسارها وسوّف أهدافها وأضاع مراميها.
سوريا المنتظرة
لو تخيل مواطن سوري بأنه يمتلك تلسكوباً كبيراً يتيح له النظر من أقصى شمال شرق منطقة الجزيرة عند المثلث الحدودي (السوري العراقي التركي) ويرى كامل الجغرافية السورية في مساء صيفي غير مغبر. ترى ماذا يرى هذا المواطن؟ انه بلد نموذجي، فيه السهول والجبال والصحارى، يحتضن ارث سلسلة من الحضارات الشرقية والغربية، ويطل على الساحل الشرقي للمتوسط. نفس المواطن لو ينظر الآن عبر تلسكوبه المفترض الى سوريا، ماذا يرى؟ اعتقد انه سيصاب بصعقة وصدمة تصيبه بالدوار، يضطر بسببها اللجوء الى أقرب مشفى لتلقي العلاج. البلد تحول الى مقاطعات باشكال أميبية، يتحكم بكل منها مجموعة مسلحة لها قوانينها وضوابطها، والشعب تحول الى شتات في الوطن والمنافي، المدن والبلدات مدمرة بفعل براميل المتفجرات، ولا يجد جدارا دون أن تخترقه الرصاصات.
من هنا، فان سوريا قبل الثورة قد أفلت الى الابد، ونحن سنكون أمام سوريا مقبلة من العسير تحديد ملامحها حتى من قبل أبرع المنجمين وأكثرهم دراية. نظام الأسد والبعث قد عفنا ولابد من استئصالهما، لكن الافق مازال شاحبا حول صورة سوريا المستقبل بسبب الطبقة السياسية ونخبها التي ستقود البلد. نحن نأمل كل الخير للشعب السوري بكافة أطيافه. لكن صورة النماذج المماثلة، والمشهد العراقي هو الأقرب والأكثر تماثلا، لا يبشر بالخير.
طارق كاريزي – صحيفة كوردستان



