8:54:26 PM
يقول زرادشت: "لتكن المرأة طاهرة كالألماس ..... تشع فيها فضائل العالم المنتظر ....... وليتوهج الكوكب في حبها وهي تضع للعالم الإنسان المتفوق "
لقد كانت المرأة قديماً في منزلة الآلهة، وكانت رمزاً للحب والإنتاج والخير والخصوبة، كما لها دور مميز في إدارة البلاد وصنع القرار .
فقد برعت الأميرة الإيزيدية "ميان خاتون" في إدارة الأمور السياسية والعشائرية، وتمكنت من ترتيب البيت الإيزيدي وإعادة الحياة إلى معبد لالش بعد أن تعرض للنهب من قبل الدولة العثمانية.
أما عند الإغريق فقد ساوى أفلاطون بين المرأة والرجل في إدارة الدولة، وغيرها الكثير من الشرائع القديمة التي كانت تمجد دور المرأة في إدارة البلاد .
المرأة الكردية كانت ولا تزال رمزا للشموخ الأبدي كالجبال، حضنت ملحمة النضال، كانت بيشمركة بطلة وشهيدة سقت بدمائها الطاهرة ربيع كردستان وعطرت نرجس الجبال، ورسمت صفحات التاريخ بأبجدية الخلود المعطرة .
قاومت دهاليز الاستبداد بأسلوبها الخاص بسريتها الصامدة، وكانت لها بصمات محفورة في تاريخ الحركة الكردية أمام دكتاتورية الأنظمة المتعاقبة على سدة الحكم وحافظت على شموخها بالرغم من كل الضغوطات والقوانين الجائرة والاستثنائية بحقها كمرأة وحق شعبها الكردي كشعب أصيل يعيش على أرصه التاريخية .
مع تطور المجتمعات وتقدمها التكنولوجي تراجعت تلك المكانة المرموقة للمرأة وساهمت العديد من العادات والتقاليد والأعراف إلى الحد من مشاركتها الفعالة في المجتمع، فعانت المرأة قساوة العادات والتقاليد والتخلف الموروث من جهة وظلم القانون من جهة أخرى . بالرغم من أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي توج في العاشر من كانون الأول عام 1948م كان وما زال المرجعية الأساسية التي يتم الإسناد إليها في تعريف حقوق الإنسان والذي بنيت عليه جميع المعاهدات والإتفاقيات الدولية الأخرى، من أجل أن يعيش الإنسان بحرية وكرامة وعدل ومساواة ويتمتع بحرية الرأي والتعبير والإشتراك في الجمعيات والحق في إدارة الشؤون العامة للبلاد دون تمييز أو تفرقة. ولكنه يشهد إنتكاسة ربيعية لتفاقم معدلات انتهاك الحقوق الأساسية على نحو خطير نتيجة للممارسات السلبية من عنف وإنكار وتمييز وسوء معاملة وتراجع لحقوق المرأة وضعف في التطبيق من قبل الحكومات التي تنتهك وبشكل صارخ هذه الحقوق وتقييد الحريات الشخصية بمواد من القانون حولت مسار حقوق الإنسان إلى مستوى الهبوط بعكس ما كان متوقعاً.
بالرغم من رياح التغيير الربيعية فقد حمل بعض مواد القانون السوري بين طياته مظاهر تمييزية بحق المرأة جعلتها في المرتبة الدونية مقارنة بالرجل ، مع إن سوريا قد وقعت على اتفاقية "سيداو" والتي تعتبر بمثابة الإعلان العالمي لحقوق المرأة وإلغاء جميع أشكال التمييز ضدها إلا إنها تحفظت على عدد من المواد وخاصة تلك التي تمس حياة المرأة بشكل مباشر كما في قانون الأحوال الشخصية .
فشكلت تلك التحفظات قيوداً أعاقت تقدم المرأة ومشاركتها الفعالة في مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والإقتصادية والقانونية وغيرها .
ومن أهم تلك المواد المجحفة بحق المرأة :
__ قانون الجنسية: هذا القانون يحرم المرأة من منح جنسيتها لأولادها إذا كانت متزوجة من رجل أجنبي ويعامل معاملة الأجانب .
المادة "3" من قانون الجنسية : "يعتبر عربياً سورياً حكماً من ولد في القطر أو في خارجه من والد عربي سوري ".
وهذا يخالف ما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
المادة "15" : "لكل إنسان الحق في أن تكون له جنسيته ".
المادة "1" : " يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق " المادة "2" : لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات دون التمييز في ذلك بين الرجال والنساء " .
كما جاء مخالفاً للدستور السوري نفسه: " المواطنون متساوون في الحقوق والواجبات لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أواللغة " .
_ المادة "548" من قانون العقوبات الذي يمنح المجرم في جرم الزنا عذراً محلاً: تقول المادة : من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا المشهود أو في صلات جنسية فحشاء فإنه يمنح عذراً محلاً " .
إن تطبيق هذه المادة تعود إلى تقاليدنا الإجتماعية الراسخة وما ورثناه عن قانون الجزاء العثماني، نحن نتمسك بالأخلاق العامة والقيم العليا لمجتمعنا لكن إعفاء الفاعل من العقاب في هذه الحالات يؤدي إلى تستر القتلة بالدفاع عن الشرف والأخلاق ويشجع على الإجرام في المجتمع، حتى عقوبة المرأة في الزنا تكون ضعف عقوبة الرجل على الرغم من وحدة الفعل الجرمي .
وهذا يخالف ما جاء في المادة "7" من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق في التمتع بحماية متكافئة دون أية تفرقة " .
كما إن هناك العديد من الحالات المجحفة بحق المرأة في قانون الأحوال الشخصية فيما يتعلق بالزواج والطلاق والولاية والوصاية والميراث والنفقة وغيرها .
_ الطلاق التعسفي: يشكل أكبر ظلم للمرأة لأن الرجل يستخدم حقه في الطلاق دون سبب مشروع وحتى عندما يشترط في عقد الزواج أن تكون العصمة بيد المرأة فإن الرجل يستطيع أن يطعن في هذا الطلاق وإعادتها إلى بيت الطاعة بالإضافة إلى ضياع حقوقها المالية .
__ الميراث: فبالرغم من أن القانون قد حدد لها نسبة في الميراث "للمرأة نصف ما للرجل " إلا إنها بحكم العادات والتقاليد نادراً ما ترث.
كل هذه المواد جاءت بشكل مخالف لما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
تقول المادة "16" للرجل والمرأة متى بلغا سن الزواج حق التزويج وتأسيس أسرة دون أي قيد بسبب الجنس ولهما حقوق متساوية عند الزواج وأثناء قيامه وعند انحلاله وكل ما يتعلق بذلك من ولاية ووصايا والنفقة والميراث والحضانة وغيرها
__ومن ناحية أخرى: قلة تمثيل النساء في المجالس التشريعية وإن تواجدت فإن ذلك التمثيل يكون رمزياً، ولا يرقى إلى مستوى التأثير على إصدار تشريعات عادلة للمرأة كل ذلك أدى إلى عدم قدرتها على التأثير الحقيقي والسريع في محتوى القرار السياسي العام .
أمام كل هذه التحديات من جهة، وكل هذه العطاءات للمرأة من جهة أخرى ، ألا تستحق المرأة أن يعاد النظر في جميع تلك القوانين والتشريعات التي تحد من إبداعها بحيث يعاد صياغتها ليتناسب وإمكانيات المرأة وقدراتها الإيجابية وإعطاءها ضمانات حقيقية بأن تحمل معها رياح التغيير الربيعية تلك بشائر الحرية والكرامة وتحميها من العواصف الهوجاء التي حاولت وتحاول إقصاء المرأة من المشاركة الفعالة إلى جانب الرجل في مجالات الحياة المختلفة والزج بها في براثن التخلف والجهل وذلك لإعتبارات دينية أو اجتماعية أوسياسية وغيرها .
كضمانات حقيقية قانونية تحمي كرامتها من تلك العقول الشوفينية وصحراء عنصريتهم تجاه حياة المرأة وابداعاتها، ونظراتهم الدونية المتشددة وزوابع حقدهم تجاه انسانيتها، ولتفتح أمامها المجال الحقيقي للمشاركة الحقيقية في بناء القرار الحقيقي كتمثيل حقيقي لإنسانيتها، واتخاذ إجراءات سريعة وعملية تتمثل فيما يلي :
__ القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بإتخاذ كل التدابير المناسبة لتجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدستور والتشريعات الوطنية.
__ منح المرأة أهلية قانونية وسياسية مماثلة للرجل.
__ اتخاذ خطوات عملية تستهدف تعديل الأنماط الإجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التمييز في العادات العرفية والتقاليد وكل الممارسات القائمة على فكرة دونية المرأة .
__ إلغاء جميع القوانين والأنظمة والأحكام الجزائية والتي تشكل تمييزاً ضد المرأة.
__ منح المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالها .
__ اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية على أساس المساواة بين الرجل والمرأة .
بعد إشراقة خيوط الحرية وإضاءة أنفاق الظلم والحرمان في تفاصيل حياة المرأة الكردية، انتقلت الى مرحلة اخرى مميزة بحياتها، استطاعت ان تنتفض على نفسها بالخروج من قوقعتها السرية وإذابة جليد عقود العجاف والاعلان عن نفسها كإمرأة صامدة تتحدى الصعاب، واستطاعت أن توظف كل امكانياتها الكامنة وطاقاتها التي نضجت في سنوات الحرمان في خدمة شعبها في مرحلة يتطلب منها أن تعيد إعادة هيكلة شخصيتها ودورها لتكون قادرة على أن تكون طرفا في المعادلة السياسية وتحقق لذاتها ولشعبها ماكانت تحلم به ،واستطاعت ان تجتاز العقبات وتخطو العديد من الخطوات الهامة وبمساعدة حقيقية للمجتمع الكردي لها .
عندئذٍ سوف تتمكن المرأة من المشاركة الفعالة في صنع القرار السياسي في بلد ديمقراطي تعددي يحفظ لها كرامتها وإنسانيتها وحقوقها ويبارك لها عملها المقدس في تنشئة الأجيال على الفضيلة والإبداع .
كما يقول زرادشت :
"لا صلاح لأمة فسدت منابت أطفالها "



